القوة الناعمة

تسعى البشرية بكافة أنواع اجتماعها عبر التاريخ، إلى ترويض القوة، وتحويلها إلى استفادة ونفع سهل القياد، فمن الحطب إلى الطاقة الكهربائية، مسافة غير قليلة من الصراع على استحواذ القوة بشكلها الأكثر تحضراً، بمعنى جعل القوة أقل أذىً، أو مسالمة في جوهرها، ولعل فني السياسة والدبلوماسية، من منتجات  ترويض القوة، كمثال على تطبيقات العقل والعقلانية، ولكن الأهم هو جوهر الإنسانية الذي ينشد العيش الكريم، مستمتعاً بالرفاهيات الادهاشية، التي تسمى بالمجاز فناً، وهو حصيلة ما يتبقى من المنجز البشري المتحضر منسوباً إلى عصره، في تعبير واضح عن القوة النفسية للاجتماع البشري، التي تكمن وراء الأداء الثقافي متسببةً، بمنتجات ثقافية ذات قيمة عالية، من خلال تأثيراتها التنويرية التي تأتي بأشكال مدهشة من الفرح والرضا، بالإضافة إلى مقدرتها على الاكتشاف في الأغوار البشرية، مستفيدة من تراكمها المعرفي، في تعزيز ممارسة الافتخار بالمنجز البشري، بسبب الإفادة منه على الصعيدين المحلي والخارجي. أو بمعنى آخر تثمين التواجد البشري في زمان ومكان معروفين للبشرية، ما يصنع معياراً مقارناً لنوعية التحضر، ومقدرته على مواصلة ترويض عنف القوة، هذه المقدرة على الترويض بما فيها من مواجهة صبورة مع عنف القوة، هو ما يسمى القوة الناعمة، حيث تنتصر المعرفة البشرية، على الغيبيات الدافعة لممارسة تطبيقات عنف القوة، تفتقد الجماعة البشرية لفعالية الإقدام على الإنتاج الثقافي، وبالتالي فقدان المقدرة على إنتاج أي شيء، تقليداً أو ابتكاراً، فالبشرية لا تعترف إلا بالمنتجات الأصلية كي تنسبها إلى صانعيها الأقوياء بها.

سألت مرة السفير ضياء الدين الفتال ( وهو سفير عريق وعارف بالمجتمع الأمريكي) سألته كيف يعرف أمريكا باختصار، فقال لي إنها خمس أو ستة جامعات ومراكز بحث، وهوليود، والباقون يعيشون ويعملون في هديهما، طبعاً أختصر كثيراً، ولكنه كان يشير الى القوة الناعمة التي تصنع المجتمعات وتبقيها حية ومنتصرة، فتصوروا، أن هوليود على التوازي تماماً مع الجامعات ومراكز الأبحاث، هوليود مصنع التسلية والفضائح تعادل مراكز الأبحاث، نعم لأنها قائمة على ممارسة الأفكار، وبثها بطريقة تربوية إلى مجتمعها، والمجتمعات الأخرى، وهذا أمر ليس سراً من أسرار الجاسوسية، بل هو أمر تتواشج فيه الإمكانيات المحلية من فكر وفن لتصنيع السياق السلوكي/ الاجتماعي، سنحصل على قوة لا يمكن هزيمتها بأفعال القوة الفيزيائية من حروب واستبداد (وهنا هوليود مجرد مثال من أمثلة مصانع القوة الناعمة)، فافتتاح ألومبياد باريس (مثال آخر)، يبدو كطاقة هائلة اجتاحت العالم خلال ساعات، فكيف إذا فكرنا في سنوات التأسيس والإنتاج والتراكم لسنوات طويلة من أنواع الإبداع؟  لتؤدي إلى التأثير في الداخل والخارج، من خلال التعميم والتدريب على السلوكيات الأكثر فعالية في الإنتقال إلى مرحلة ذات تأثير أكثر في تأسيس سلوكيات الحاضر القريب، إنها ترويض للقوة الفيزيائية البشرية تحديداً ( العنف) لجعله أكثر أصلية من الناحية القيمية، وهذا ما نراه في ممارسة السياسة في الدول ذات القوة الناعمة القوية، فاستغلال المواهب السياسية يتم بسلمية رغم التنافس الشديد، ورغم التباعد بوجهات النظر والأيديولوجيات، فخدمة المجتمع المحلي لا تحتاج إلى أي قدر من العنف، مع حاجتها الأكيدة إلى القوة، هنا تجيب القوة الناعمة على هذا السؤال بكل قوة.

نعم الفن سينقذ العالم، أنه الهيكل العظمي للبلدان، وبنفس الوقت صورتها الخارجية، فلوحة واحدة لبيكاسو (أو أي فنان قدير) تمتلك من الرسائل ما لا تقدر عليه مئات البلدان، وفيلم هوليودي مميز يمكن أن يأتي بعائدات تعادل ميزانية دولة ما، ففيلم بوليسي عادي يشرح القانون أحسن من آلاف المخافر، وبطل إيجابي أو سلبي واحد، في مسرحية أو فيلم، يقدم أمثولة تربوية تعادل آلاف الخطب من أي نوع.

 هذه هي التجربة البشرية أمام أعيننا، خلال القرنين العابرين، فالأمم التي تمتلك قوة ناعمة لا تفنى حتى لو انهارت على أي صعيد، أما الأمم التي تحتقر الفن وتثربه، فهي فانية حتى لو بقيت تأكل وتشرب وتتغوط أبد الدهر.

ليس مطلوباً استحضار أمثلة أكثر مما سبق، فجولة واحدة في ذكريات أي شخص عادي، يمكنها أن تثبت أن القوة الناعمة بمقدرتها الذاتية قادرة على إحداث انتصارات تحضرية، قادرة على إبقاء الاجتماع البشري قيد الفخر والاعتزاز، لمقدرتها على اجتراح طرائق الحياة، إذا لم نقل الحياة نفسها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *