محمد المشهداني /العراق
ليس آب في الذاكرة السياسية اللبنانية والعربية والإسلامية مجرد شهر من أشهر السنة ولا هو مجرد محطة زمنية تتكرر في التقويم ثم تنقضي منذ أختطاف وأخفاء سماحة الإمام السيد موسى الصدر في أواخر شهر آب من العام 1978. أصبح بعدها هذا الشهر يحمل في الوجدان اللبناني والعربي والإسلامي معنى يتجاوز التأريخ إلى سؤال مفتوح عن الدولة والعدالة والسيادة والمقاومة وعن الإنسان حين يتحول غيابه إلى قضية وطن وأمة.
في شهر آب لا يستعاد الإمام السيد موسى الصدر بوصفه شخصية دينية فحسب ولا بوصفه زعيما لطائفة فحسب بل بوصفه ظاهرة سياسية وفكرية واجتماعيه حاولت أن تعيد تعريف العلاقة بين الدين والمجتمع وبين الطائفة والوطن وبين الحرمان والكرامة وبين المقاومة والدولة ولهذا فإن الكلام عنه لا ينبغي أن يتحول إلى رثاء موسمي ولا إلى استعادة عاطفية لخطاب تأريخي بل إلى قراءة دقيقة في مشروع رجل أدرك باكرا أن أزمة لبنان ليست في تعدد طوائفه وإنما في تحويل هذا التعدد إلى نظام الامتيازات والحرمان وفي ترك مناطق واسعة من البلاد خارج دائرة الدولة والتنمية والعدالة.
الحرمان في مشروع الإمام موسى الصدر لم يكن شأنا شيعيا محضا بل كان عنوانا لخلل في الدولة اللبنانية نفسها ولذلك فإن صرخته من أجل الجنوب والبقاع والمناطق المحرومة لم تكن مجرد مطالبة بخدمات فقط بل كانت محاولة لإعادة تعريف معنى المواطنة فإن المواطن الذي لا تصله الدولة إلا في شكل أمني أو إداري بينما تغيب عنه التنمية والتعليم والبنية التحتية والفرص يصبح مواطنا ناقص الحقوق مهما كانت النصوص الدستورية التي تتحدث عن المساواة ومن هنا يمكن القول إن مشروع الإمام الصدر كان في أحد وجوهه مشروعا لإعادة بناء الدولة من الأطراف نحو المركز لا من المركز نحو الأطراف فقط.
لم تكن علاقته بالدولة علاقة رفض مطلق، بل علاقة مطالبة وضغط ومواجهة من أجل أن تقوم الدولة بوظيفتها وأن هذا الجانب تحديدا يستحق قراءة أكثر عمقا اليوم ففي السياسة اللبنانية غالبا ما جرى تصوير العلاقة بين الطوائف والدولة وكأنها لعبة صفرية إما الدولة وإما الجماعة وأما تجربة الإمام الصدر فتقدم صيغة أكثر تعقيدا لا يمكن بناء دولة قوية من دون جماعات تشعر بأنها مصانة ولا يمكن حماية الجماعات على المدى الطويل من دون دولة عادلة.
إنها معادلة شديدة الصعوبة وربما لهذا السبب بقيت التجربة الصدرية قابلة للنقاش حتى اليوم.
ولا يمكن فهم السيد موسى الصدر بعيدا عن الجنوب اللبناني فإن الجنوب لم يكن بالنسبة إليه مجرد منطقة جغرافية، بل كان أختبار حقيقيا لمعنى الدولة والسيادة حيث هي منطقة تتعرض للاعتداءات الإسرائيلية الإرهابية وتعيش في الوقت نفسه تحت وطأة الحرمان والإهمال وكانت بالنسبة إلى الإمام السيد موسى الصدر نموذجا صارخا للتناقض اللبناني.
وكيف يمكن أن تطلب منه الالتزام بالمؤسسات إذا كانت المؤسسات غائبة عن حياته اليومية؟
وكيف يمكن أن تتحدث عن السيادة بينما يعيش أبناء الجنوب ومناطق الحدود في حالة دائمة من الخوف والنزوح والدمار؟
من هنا اكسبت قضية الجنوب في خطاب سماحة الإمام السيد موسى الصدر بعدا وطنيا يتجاوز حدود الطائفة حيث إن الدفاع عن الجنوب لم يكن في نظره ترفا سياسيا، بل شرطا من شروط كرامة الدولة نفسها وهذا يفسر لماذا أرتبط إسمه في المقاومة والدفاع عن الأرض مع أن قراءته للمقاومة لم تكن منفصلة عن مفهوم الدولة والمجتمع.
أحد أبرز إنجازات الإمام موسى الصدر أنه أدرك أن الاحتجاج وحده لا يكفي فإن الحرمان حين يبقى مجرد شكوى يتحول إلى ثقافة عجز أما حين يتحول إلى تنظيم اجتماعي وسياسي فإنه يصبح قوة قادرة على فرض نفسها في المعادلة الوطنية.
ولهذا جاءت مؤسسات منها المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى والحركة الاجتماعية والمؤسسات التربوية والخدماتية والتعبئة الشعبية ضمن السياق وحركة أمل وهي أوسع من محاولة حيث تحويل الفئة المهمشة إلى جماعة سياسية فاعلة.
وهنا يجب التمييز بين أمرين.
الأولى ـ هي نشوء حركة إجتماعية ترفع مطالب فئة مهمشة ومحرومة.
الثانية ـ هي تحول هذه الحركة إلى بنية سياسية قادرة على المشاركة في النظام.
ولكن المفارقة التأريخية أن الإمام الصدر الذي بدأ مشروعه تحت عنوان رفع الحرمان وإعادة الاعتبار للدولة اختفى قبل أن يرى المسارات التي ستأخذها الحركة السياسية والاجتماعية التي ساهم في تأسيسها.
الإمام الصدر شيء والمشروع شيء آخر والحركات السياسية لا تبقى دائما أسيرة أفكار مؤسسيها، بل إنها تتأثر في الحروب والتحالفات والتحولات الإقليمية وصعود القيادات الجديدة وتغير موازين القوى.
شهر آب ـ أغسطس واختبار الذاكرة ـ في كل عام يعود شهر آب ليضع اللبنانيين وكل محبي وأنصار الإمام الصدر أمام سؤال الذاكرة.
كيف نتذكر رجلا اختفى؟ هل نتذكره كشهيد؟ أم كمفقود؟ أم كقضية سياسية؟ أم كرمز ديني؟ أم كجزء من تأريخ الحرب اللبنانية؟ أم مشروع نهض بالشيعة ومستقبل للبنان؟ ربما الإجابة الصحيحة هي أن أختطاف الامام جمعت كل هذه الأبعاد.
فإن الإمام الصدر لم يخطف أو يختفي في ظروف عادية، بل اختفاؤه وقع في لحظة إقليمية بالغة التعقيد وسط صراع عربي ـ إسرائيلي وحرب أهلية لبنانية وتنافس إقليمي وتدخلات دولية وتحولات كبرى في المنطقة.
ولذلك بقيت قضية اختطافه واختفائه مرتبطة بعدة أسئلة عن السياسة الإقليمية كما بقيت مرتبطة في العدالة الشخصية والوطنية.
وهنا لا بد من التشديد على أن العدالة لا تقوم على الذاكرة وحدها، بل العدالة تحتاج إلى حقيقة والحقيقة تحتاج إلى وثائق وتحقيقات وشهادات وأدلة، ومسار قضائي، وسياسي، واضح.
السؤال هو لماذا لا يزال السيد موسى الصدر حاضرا؟
لأن الأسئلة التي حملها لم تنته وهو ما زال لبنان يعاني من مشكلة التوازن بين الطوائف والدولة.
وما زالت قضية الجنوب مرتبطة بالأمن والسيادة.
وما زالت العلاقة بين المقاومة والدولة موضع جدل سياسي ووطني.
وما زال النظام السياسي عاجزا عن بناء عقد موطني كامل.
وما زالت الطائفية رغم كل الخطابات عن تجاوزها إحدى أكثر البنى رسوخا في الحياة العامة.
ربما كان من أكثر عناصر شخصية الإمام الصدر إثارة للاهتمام أنه لم يقبل الفصل التقليدي بين رجل الدين والشأن العام، ولكن في المقابل لم يقدم الدين باعتباره بديلا عن السياسة، بل مصدرا للقيم التي ينبغي أن توجه السياسة.
كان الإمام السيد موسى الصدر يتحدث عن الإنسان قبل الطائفة وعن الكرامة قبل السلطة وعن العدالة قبل الامتياز وهذه نقطة جوهرية حيث إن السياسة حين تنفصل عن الأخلاق تتحول إلى إدارة مصالح فقط والدين حين يتحول إلى أداة سياسية فاسدة يفقد قدرته على إنتاج المعنى الأخلاقي.
في تجربة الإمام الصدر محاولة مستمرة لإبقاء السياسة مرتبطة بقضية الإنسان وهذا تحديدا ما جعل خطابه قادرا على الوصول إلى خارج البيئة الشيعية حتى عندما كان يعمل بصورة أساسية داخلها. مشروع السيد موسى الصدر كان يطرح ضمنيا معادلة واضحة وهي الوحدة الوطنية لا تعني إخفاء المظالم، بل معالجة أسبابها.
ما الذي بقي من الإمام الصدر؟
بقيت المؤسسات وبقيت الذاكرة وبقي الخطاب وبقيت القضية وبقيت المقاومة والإصلاح.
يستحق الإمام السيد موسى الصدر أن تدرس محاضراته وخطبه وأقواله ومواقفه وأن توضع في سياق تأريخ لبنان والعالم العربي والإسلامي خاصة في عقدي الستينيات والسبعينيات.
الإمام الصدر في الزمن العربي الجديد ربما تبدلت المنطقة بصورة لا يمكن معها إعادة إنتاج خطاب عقد السبعينيات كما هو لكن بعض القضايا بقيت
والهيمنة الخارجية بقيت والصراع العربي ـ الإسرائيلي بقي وأزمة الدولة الوطنية بقيت والطائفية السياسية بقيت والحرمان الاجتماعي بقي.
لهذا حين يأتي شهر آب ـ أغسطس لا ينبغي أن نسأل فقط أين الإمام السيد موسى الصدر؟
بل ينبغي أن نسأل أيضا أين نحن من لبنان الذي أراده؟ ومن الدولة التي طالب بها؟ ومن الإنسان الذي وضعه في قلب مشروعه؟ ومن العدالة التي جعل منها مدخلا إلى الوحدة الوطنية؟


