حين تحوّل الحلم القومي إلى دولة أمنية، وتحولت الوحدة إلى إلغاء، وتحول الحزب إلى سلطة
من حق كل أمة أن تسأل نفسها، في لحظات الانكسار الكبرى: من جلب علينا هذا الويل؟
ليس السؤال بحثًا عن كبش فداء، ولا محاولة لإلقاء مسؤولية قرن كامل من التاريخ على رجل واحد أو حزب واحد، بل هو سؤال نقدي يفرض نفسه عندما تتحول الأحلام الكبرى إلى كوارث، وعندما تتحول الشعارات التي رفعت باسم الحرية والوحدة والنهضة إلى أنظمة سياسية أغلقت أبواب الحرية، وأضعفت المؤسسات، وأخضعت المجتمع للدولة، ثم أخضعت الدولة للحزب، وانتهت في بعض مراحلها إلى إخضاع الحزب نفسه للزعيم.
لقد كان القرن العشرين العربي قرن الأحلام الكبرى. حلم الوحدة، وحلم التحرر من الاستعمار، وحلم العدالة الاجتماعية، وحلم بناء دولة قوية قادرة على استعادة الكرامة العربية.
وكان جمال عبد الناصر أحد أبرز رموز تلك المرحلة وأكثرهم تأثيرًا في الوجدان العربي. لم يكن حضوره مجرد حضور رئيس دولة، بل تحول إلى ظاهرة سياسية وفكرية تجاوزت حدود مصر.
لكن التاريخ لا يُكتب بالعاطفة وحدها.
فالسؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم ليس: ماذا أحببنا في عبد الناصر؟ وإنما أيضًا: ماذا تركت الناصرية في بنية الحياة السياسية العربية؟
من الحلم القومي إلى اختزال الأمة بشخص
كانت فكرة الوحدة العربية تحمل جاذبية هائلة في مجتمع عربي خرج من الاستعمار والتجزئة والضعف.
لكن المشكلة لم تكن في فكرة الوحدة نفسها، وإنما في الوسائل التي جرى اعتمادها لتحقيقها.
فعندما تصبح الوحدة مشروعًا سياسيًا يُفرض من الأعلى، وعندما تختزل الأمة في دولة مركزية، وعندما يصبح الاختلاف السياسي تهديدًا للوحدة، تبدأ الفكرة القومية بالابتعاد عن غايتها الأصلية.
وهنا تكمن إحدى المعضلات الكبرى في التجربة العربية الحديثة: كيف يمكن بناء الوحدة من دون حرية؟ وكيف يمكن تحقيق نهضة الأمة إذا كان المواطن نفسه محرومًا من المشاركة في صناعة القرار؟
فالوحدة التي تلغي الإنسان لا تستطيع أن تصنع أمة قوية، والدولة التي تخشى من المواطن لا تستطيع أن تكون دولة نهضة حقيقية.
البعث: من فكرة النهضة إلى دولة الحزب
جاء حزب البعث العربي الاشتراكي حاملًا شعارات كبيرة: الوحدة والحرية والاشتراكية.
وكانت هذه الشعارات تعبر عن حاجة حقيقية لدى المجتمعات العربية في مرحلة التحرر من الاستعمار والتخلف والتجزئة. لكن المأساة بدأت عندما تحولت الفكرة من مشروع نهضوي إلى نظام سياسي يحتكر تمثيل الأمة.
فعندما يقول الحزب إنه يمثل الأمة، يصبح من السهل أن يصبح خصومه أعداء للأمة.
وعندما يحتكر الحزب الدولة، تصبح المؤسسات العامة امتدادًا للتنظيم. وعندما يصبح التنظيم فوق المجتمع، تتحول الدولة تدريجيًا من دولة مواطنين إلى دولة تابعين.
سورية: التجربة الأكثر مأساوية
كانت سورية واحدة من أهم الساحات التي اصطدمت فيها الأفكار القومية بالواقع السياسي.
فقد عاشت البلاد انقلابات عسكرية متتالية، ثم جاء حكم البعث، وبعده ترسخت تدريجيًا سلطة الدولة الأمنية، إلى أن أصبح النظام السياسي قائمًا على مركزية شديدة في القرار.
وهنا بدأت المأساة السورية تتشكل عبر عقود، فهي ليست وليدة عام 2011 فقط، بل هي أقدم من ذلك بكثير، المشكلة في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وفي غياب التعددية السياسية الحقيقية، وفي تراجع استقلال المؤسسات، وفي تحول الجيش من مؤسسة وطنية يفترض أن تحمي الدولة إلى لاعب أساسي في الحياة السياسية، وفي صعود الأجهزة الأمنية إلى موقع يتجاوز دورها الطبيعي.
وحين يغيب التصحيح السياسي السلمي لعقود، يصبح الانفجار مسألة وقت.
موت النقد داخل الحزب
من أخطر أمراض الأحزاب العقائدية أن تتحول العقيدة من وسيلة لفهم الواقع إلى وسيلة لمنع نقد الواقع والحزب الذي لا يسمح لأعضائه بمراجعة قيادته يفقد القدرة على تصحيح أخطائه وعندها تبدأ عملية خطيرة:
الفكرة تصبح مقدسة، والقيادة تصبح حارسة للفكرة، والنقد يصبح خيانة، والخطأ يصبح ضرورة، ثم يتحول الخطأ المتراكم إلى نظام كامل وهذا ما يجب أن تتعلم منه الأحزاب العقائدية جميعًا، لا البعث وحده.
من الدولة القوية إلى الدولة الأمنية
الدولة القوية ليست الدولة التي يخاف منها المواطن. بل هي الدولة التي يحترم فيها المواطن القانون لأنه يراه عادلًا، ويثق بمؤسساتها لأنها تمثله، ويعرف أن حقوقه مصونة حتى عندما يختلف مع السلطة.
أما الدولة الأمنية فهي التي تحاول حماية السلطة من المجتمع بدل حماية المجتمع بالقانون. وهذا الفارق كان جوهريًا في التجربة السورية.
فحين يصبح الأمن السياسي فوق القانون، وحين تصبح المؤسسة الحزبية فوق مؤسسات الدولة، ويصبح القرار محصورًا في دائرة ضيقة، فإن الدولة تبدأ بفقدان مناعتها الداخلية.
هل كان عام 2011 هو بداية المأساة؟ لا. لكنه كان عام الانفجار.
لقد سبقت الانفجار سنوات طويلة من الاستبداد السياسي، وتراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وغياب المشاركة السياسية الحقيقية، وضعف المؤسسات، وتغول الأجهزة الأمنية، إضافة إلى عوامل إقليمية ودولية معقدة.
ثم جاءت أخطاء السلطة في التعامل مع الاحتجاجات، وتحوّل الصراع إلى نزاع مسلح، ودخول قوى إقليمية ودولية وجماعات مسلحة متعددة، لتصبح سورية ساحة لصراع تجاوز حدودها.
ولهذا فإن اختزال المأساة السورية في مؤامرة خارجية فقط، أو في احتجاج داخلي فقط، أو في حزب واحد فقط، هو هروب من فهم الحقيقة المركبة.
المسؤولية التاريخية
المسؤولية ليست فقط مسؤولية الأشخاص الذين اتخذوا القرارات.
هناك مسؤولية الأفكار عندما تتحول إلى عقائد مغلقة. والأحزاب عندما تقدم التنظيم على المجتمع. كما مسؤولية المثقفين عندما يصمتون أمام الخطأ لأنهم يخشون فقدان مواقعهم. ومسؤولية النخب عندما تبرر الاستبداد باسم الوحدة أو الأمن أو القضية القومية. ومسؤولية الأنظمة عندما ترفض الإصلاح حتى يصبح الإصلاح مستحيلًا. ومسؤولية القوى الخارجية عندما تحول الدول الضعيفة إلى ساحات لصراعاتها.
لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: من جلب على أمتي هذا الويل؟
بل: كيف سمحنا لهذا الويل أن يتراكم؟
الدرس السوري
إن أكبر درس يمكن أن نتعلمه من المأساة السورية هو أن أي مشروع نهضوي لا يستطيع أن ينجح إذا بنى قوته على إضعاف الإنسان.
لا وحدة بلا حرية. ولا حرية بلا مؤسسات. ولا دولة قوية بلا قانون.
ولا حزب قوي بلا نقد ومحاسبة. ولا عقيدة حية إذا أصبحت فوق السؤال.
ولا وطن يستطيع البقاء إذا تحولت السياسة فيه إلى صراع بين الولاء والخيانة بدل أن تكون تنافسًا بين البرامج والمشاريع.
لقد دفعت سورية ثمنًا باهظًا نتيجة تراكم الأخطاء السياسية والفكرية والمؤسساتية، وثمنًا أكبر عندما تحولت أزمتها الداخلية إلى ساحة صراع إقليمي ودولي.
ولهذا فإن المطلوب اليوم ليس الانتقام من التاريخ، بل نقد التاريخ.
وليس المطلوب إلغاء فكرة القومية العربية، بل مساءلتها: لماذا فشلت تجاربها في بناء دولة المواطن؟
وليس المطلوب شطب كل ما قدمته تلك المرحلة، بل فصل الإنجاز عن الخطأ، والشعار عن الممارسة، والفكرة عن السلطة التي ادعت تمثيلها.
الخاتمة
ربما آن الأوان لأن نمتلك شجاعة السؤال عمن جلب على أمتي هذا الويل؟
والجواب الأكثر نزاهة ليس اسم رجل واحد، ولا حزب واحد، ولا دولة واحدة.
إنه تراكم طويل من الاستبداد، واحتكار الحقيقة، وتقديس القيادة، وإلغاء التعددية، وتسييس الجيش، وإضعاف المؤسسات، وتبرير القمع باسم القضايا الكبرى، ثم فتح الأبواب أمام التدخلات الخارجية عندما انهارت المناعة الداخلية.
لقد حلمنا بالوحدة، فكان علينا أن نتعلم أن الوحدة لا تُبنى بإلغاء الاختلاف.
وحلمنا بالحرية، فكان علينا أن نفهم أن الحرية ليست شعارًا يرفعه الحزب ثم يمنعه عن المجتمع.
وحلمنا بالعدالة، فكان علينا أن نعرف أن العدالة لا تقوم من دون مؤسسات تحاسب الحاكم قبل المحكوم.
إن الأمم لا تنهض عندما تكرر شعارات الماضي، بل عندما تمتلك الجرأة على محاسبة الماضي.
وسورية لا تحتاج اليوم إلى أسطورة سياسية جديدة، بل إلى دولة مؤسسات، ومواطنة متساوية، وحرية مسؤولة، وقضاء مستقل، وجيش وطني، وحياة سياسية تعددية؛ دولة يكون فيها الإنسان غاية الوطن، لا وسيلة السلطة.

