يبدو أن رئيس الولايات المتحدة الاميركية دونالد ترامب لا يترك فرصة إلا ويخلق فيها مزيداً من الأعداء لسياساته الخارجية. وقد فاقت قراراته في السياسة الخارجية ما يجعلها تدخل كتاب غينيس للأرقام القياسية.
آخر إبداعاته كانت توقيعه أمراً تنفيذياً بتغيير اسم «بحيرة أونتاريو» المشتركة مع كندا إلى «بحيرة أميركا»، في إجراء رفضه رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، مشدداً على احتفاظ البحيرة باسمها الأصلي الذي تحمله منذ أكثر من 400 عام. وكان ترامب اتخذ قراراً في كانون الثاني 2025 بتغيير اسم «خليج المكسيك»، إلى ما يعرف اليوم باسم «خليج أميركا». وتمادى في طموحاته حين قال «لدينا خليج ولدينا بحيرة. كل ما نحتاجه الآن هو محيط. لذلك، ربما سيتعين علينا تغيير اسم المحيط الأطلسي أو المحيط الهادي»!!
ومن الإجراءات الجغرافية إلى الإجراءات الاقتصادية والتجارية. فقد عمد ترامب إلى شنّ هجوم حاد على كندا فارضاً عليها رسوماً جمركية إضافية على وارداتها بقيمة 20 مليار دولار، بنسب تصل إلى 50 في المئة بدءاً من الأول من كانون الثاني 2027، وذلك على السيارات ومكونات صناعتها والصلب والألمنيوم والأثاث والملابس ومنتجات زراعية وغيرها، ويقدر حجم تلك الصادرات الكندية للولايات المتحدة بما بين 20 و27 مليار دولار. هذا الإجراء استدعى رداً كندياً بفرض رسوم على منتجات أميركية بقيمة مماثلة تبدأ في الثامن من أيلول الحالي وتشمل نحو 700 منتج أميركي يتم تصديرها إلى كندا من بينها الصلب، والألمنيوم ومنتجات غذائية وغيرها.
في ظل تصاعد هذا النزاع التجاري لم ترضخ الحكومة الكندية، وأعادت تنشيط الدعوات إلى مقاطعة المنتجات الأميركية وتشجيع شراء السلع المحلية، علماً أن كندا تملك قوة شرائية عالية. وباختيار المنتجات الكندية من قبل الكنديين، فإن كندا لا تكتفي بالضغط على الولايات المتحدة فحسب، بل تحمي أيضاً الوظائف فيها.
وفي وقت يعلن ترامب أن أميركا لا تحتاج إلى أي شيء تملكه كندا، يذكّر الخبراء الاقتصاديون ما يدحض هذا الادعاء. فكندا تُزوِّد الولايات المتحدة بـ 4 ملايين برميل من النفط يومياً ليساهم في تزويد السيارات والشاحنات والطائرات الأميركية بالوقود، فضلا عن تلبية احتياجات الصناعة الأميركية. وهذه الكمية تفوق ما توفره المملكة العربية السعودية ومنظمة «أوبك» بأكملها، ولا يمكن لمصافي التكرير في منطقة الغرب الأوسط الأمريكي استبدال هذا المورِد بآخر. كما تزود كندا المزارع الأميركية بالألومنيوم والبوتاس، ومكونات لصناعة السيارات التي تمتد سلاسل إنتاجها على جانبي الحدود. وتُؤمِّن كندا 60% من احتياجات أميركا من اليورانيوم اللازم لتشغيل 93 مفاعلاً نووياً وإمداد 70 مليون منزل بالطاقة. كما تُعد كندا المورِّد الأكبر للغاز الطبيعي إلى الولايات المتحدة مقارنة بأي دولة أخرى. وتمتلك كندا 13 من أصل 17 معدناً حيوياً تحتاجها أميركا لأغراض الدفاع، وصناعة السيارات الكهربائية، وتقنيات الذكاء الاصطناعي. وعلاوة على ذلك، تُعتبر كندا أكبر سوق للصادرات الأميركية بقيمة 380 مليار دولار سنوياً، وهو حجم يفوق صادرات أميركا إلى الصين والمكسيك والاتحاد الأوروبي مجتمعة.
ولعل ما قاله كارني رئيس الحكومة الكندية أن «كندا تمتلك ما يريده العالم»، يؤكد هذه الوقائع الاقتصادية والتجارية. فضلاً عن ذلك فإن هذا التصعيد بين أوتاوا وواشنطن أدى إلى تعزيز اللحمة الوطنية الكندية والتفاف حتى المعارضين السياسيين حول حكومة كارني، ودعم حملة سابقة لشراء المنتجات الكندية ومقاطعة المنتجات الأميركية. وكان مارك كارني رفع منذ توليه رئاسة الحكومة في 14 آذار 2025 شعار «الوقوف بوجه ترمب» لحماية مصالح كندا، مدركاً أن إجراءات الرئيس الأميركي تدخل في سياق الضغط عليه.
ويشير خبراء اقتصاديون إلى أن الضرر الأكبر للتبعات الاقتصادية من هذه الحرب التجارية، هي على واشنطن أكثر من أوتاوا. فالصناعة الكندية لم تلغ أي وظائف في ظل الرسوم الجمركية المفروضة على واردات الألمنيوم الأميركية من كندا، في وقت سرحت فيه الصناعة الأميركية عدداً كبيراً من العاملين فيها. فضلاً عن ذلك يمكن لكندا أن تجد مشترين آخرين لإنتاجها من الألمينيوم في أوروبا وآسيا، لكن سيكون من الصعب على الأميركيين استيراد الكميات الكبيرة التي كانت توردها كندا من مصادر أخرى. فالولايات المتحدة تستورد نسبة 75 في المئة من إجمال وارداتها من الألمنيوم من كندا، تمثل نسبة 60 في المئة من حاجات السوق الأميركية سنوياً. كما تستورد ما يصل إلى نسبة 80 في المئة من البوتاس، وأيضاً المعادن النادرة في وقت تحاول فيه واشنطن الحد من هيمنة الصين على سلاسل إمداد تلك المعادن النادرة.
تجدر الإشارة إلى أن العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة وكندا هي ثاني أكبر علاقات تجارية في العالم بعد الصين. ففي عام 2015، بلغت قيمة تجارة البضائع الأميركية مع كندا حوالي 295.2 بليون دولار أميركي كواردات و280.3 بليون دولار أميركي صادرات.
وفي الوقت الذي طالب فيه ترامب كندا بالامتثال لمواقفه، مهدداً بمواجهة الأسوأ، جاء رد رئيس الحكومة الكندية كارني حاسماً وجازماً بأن كندا لن تخضع لهذه التهديدات وأنها «تمتلك ما يريده العالم»، وتوجّه للتو إلى أوروبا للعمل على بناء بديل، حيث أكد أن كندا ستعزز علاقاتها التجارية مع الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وحلفاء آخرين، وذلك كاستجابة استراتيجية رئيسية لضغوط الرسوم الجمركية الأمريكية، علماً أن كندا تمتلك اتفاقية التجارة الحرة الشاملة والاقتصادية (CETA) بالفعل مع الاتحاد الأوروبي، وهي اتفاقية تلغي 98% من الرسوم الجمركية وتغطي سوقاً يضم 450 مليون مستهلك.
رغم عنجهية ترامب وادعاءاته الكاذبة، وقفت كندا في وجهه بكل ثقة بقوتها التجارية والاقتصادية في ظل التفاف الكنديين حول دولتهم ومصالحها التي وضعوها فوق كل الاعتبارات السياسية.

