سقوط الهيمنة وتصدع الحصن الأمريكي قراءة في مأزق المشروع الصهيوني

 د. نبيلة غصن ـ الحلقة الثانية

رابعاً: تصدع الحصن الأمريكي وتهاوي الدعم المطلق: قراءة في تحولات المشهد الجيوسياسي المعاصر (2026)

​تتطابق القراءات التاريخية للفكر القومي الاجتماعي مع التحولات العميقة التي يشهدها المشهد الدولي في عام 2026؛ حيث يواجه الكيان الصهيوني أزمة استراتيجية غير مسبوقة تتمثل في تراجع صلابة الحصن الأمريكي الداعم له.

​يسلط المقال التحليلي للكاتب رفعت إبراهيم المعنون بـ «Israel is losing America – and endangering Jews» الضوء على تحولات لافتة في بنية الرأي العام والنخبوي داخل الولايات المتحدة [16]. فلم يعد نقد السياسات الإسرائيلية هامشياً، بل امتد ليتغلغل في مفاصل المؤسسات السياسية والثقافية. وتشير أحدث بيانات مركز «بيو» للبحوث (Pew Research Center) لعام 2026 إلى أن الأغلبية من المواطنين الأمريكيين تحت سن الخمسين باتوا يحملون نظرة سلبية تجاه السياسات الإسرائيلية، مع تسجيل تصاعد ملحوظ في نسب الرفض داخل قطاعات الشباب واليمين العزلاتي (Isolationist Right) لتتجاوز 57% [17].

​وعندما تصدر تصريحات واضحة عن قيادات سياسية أمريكية جديدة، مثل نائب الرئيس جيه دي فانس (JD Vance)، تشير إلى خسارة إسرائيل لمعركة الرأي العام الأمريكي، فإننا نكون أمام مؤشر واضح على تآكل الدعم السياسي التقليدي [18]. إن هذا التراجع يعكس حقيقة أن الاعتماد على الدعم الخارجي المطلق لم يعد كافياً لحماية كيان يواجه عزلة دولية متزايدة وتصدعاً في شرعيته أمام الرأي العام العالمي [19].

خامساً: المخاطر الوجودية على الجاليات اليهودية: صعود أصوات المراجعة والرفض

​حذر أنطون سعاده ومفكروا المدرسة القومية الاجتماعية مبكراً من أن المشروع الصهيوني لا يخدم مصلحة اليهود أنفسهم، بل يزج بهم في صدام دائم مع شعوب العالم نتيجة النزع العزلي والاستخدام المفرط للقوة [20].

​يتأكد هذا التحليل في الواقع المعاصر من خلال تزايد الأطياف اليهودية الحرة في الغرب التي ترفع شعار «ليس باسمنا» (Not in Our Name)، رافضة اختزال الهوية اليهودية في السياسات الإسرائيلية [21]. وتُظهر استطلاعات الرأي الصادرة عن «معهد ناخبي اليهود» (Jewish Electorate Institute) لعام 2026 أن نسبة معتبرة من اليهود الأمريكيين، تصل إلى نحو 30% عموماً وترتفع إلى أكثر من 40% بين الفئات الشابة دون الخامسة والأربعين، ترى أن العمليات العسكرية في غزة تجاوزت الحدود المقبولة وتمثل انتهاكات جسيمة [22].

​هذا التحول في مواقف أجزاء مهمة من الشارع اليهودي العالمي يعكس خطورة ربط الدين والهُوية بسياسات العنف والإزاحة، الأمر الذي يعرض الجاليات اليهودية لمخاطر التوتر والعداء الشعبي الدولي [23]. وبدلاً من توفير الأمن والاستقرار المزعوم، أسهم المشروع الصهيوني في خلق بيئة غير آمنة لأتباعه عبر تجاهل القواعد الإنسانية والمجتمعية العامة [24].

سادساً: ضرورة الوعي القومي والعمل المنظم في مواجهة التخاذل

​لم يكتفِ أنطون سعاده بتشخيص الخلل الخارجي، بل وجه نقداً موضوعياً لأبناء الأمة وللجاليات في المهجر ممن يكتفون بالموقف السلبي والمتابعة الكلامية [25]. ففي مقاله لعام 1925، انتقد بوضوح حالة التقاعس لدى بعض الجاليات السورية في المهجر (مثل جاليات سان باولو في البرازيل) أمام التحركات الصهيونية المنظمة، مشدداً على أن البيانات النظرية وحدها لا تكفي لمواجهة التحديات المصيرية [26].

إن بناء الأوطان وحماية الحقوق لا يتمان بالأماني وحدها، بل يتطلبان تنظيماً دقيقاً، ووعياً قومياً فاعلاً، وعملاً منهجياً يواجه التخطيط المضاد برؤية استراتيجية واضحة ومدروسة.

​إن التخلي عن واجب المسؤولية الوطنية والاكتفاء بدور المتفرج يعد إشكالياً في مرحلة تتطلب تضافر الجهود. وحين نواجه محاولات المساس باستقرار المشرق وهويته، فإن الوعي والعمل المنظم يمثلان السبيل الأساسي لرفض الاستكانة والدفاع عن المصالح العليا للأمة [27].

خاتمة

​إننا نشهد اليوم مخاضاً استراتيجياً تتراجع فيه آليات الهيمنة التقليدية وتتآكل مقومات التفوق المطلق للكيانات المصنوعة. إن إسرائيل تمثل بنية سياسية واجتماعية غير قابلة للاندماج الطبيعي في محيطها، وقد أسهمت سياساتها في تقويض رصيدها الأخلاقي والقانوني على المستوى الدولي، مما ينذر بتراجع تدريجي في قدرتها على الاستمرار بمعزل عن الدعم الخارجي المتصدع [28].

​إن حقائق التاريخ والاجتماع تؤكد أن المشاريع القائمة على الإلغاء والاستعمار مآلها التهاوي تحت ضربات الوعي الإنساني وحتمية الحقائق القومية. وإن استعادة المشرق لاستقراره وعافيته هي مسألة وقت وإرادة واعية، تمهد الطريق أمام ولادة نظام إقليمي جديد يقوم على العدالة وسيادة الشعوب على أراضيها [29].

الهوامش والمراجع

16.     رفعت إبراهيم، مرجع سابق (تحليل تراجع الحصن الأمريكي وتآكل الشرعية).

17.     تقارير Pew Research Center لاستطلاعات الرأي العام الأمريكي بشأن السياسة الخارجية والشرق الأوسط، الإصدارات الدورية لعام 2026.

18.     تصريحات نائب الرئيس الأمريكي «جيه دي فانس» بشأن تراجع الدعم العام لإسرائيل، مرصودة في تغطية رفعت إبراهيم، مرجع سابق.

19.     دراسة استراتيجية في سقوط الهيمنة الإمبريالية، معهد الدراسات الاستراتيجية المشرقية، ص. 88.

20.     أنطون سعاده، الأعمال الكاملة، المجلد 4، ص. 210 (كتابات ومقالات حول نقد الحركة الصهيونية وانعكاساتها المدمرة على المجتمعات اليهودية العالمية).

21.     تقارير الحركات الاحتجاجية اليهودية في الغرب، شبكة المراقبة المدنية العالمية، ص. 45، 2026.

22.     استطلاعات رأي Jewish Electorate Institute الخاصة باتجاهات الشارع اليهودي الأمريكي نحو السياسات الإسرائيلية في غزة، تقرير 2026.

23.     مقال رفعت إبراهيم، مرجع سابق (حول مخاطر تحويل الدين إلى غطاء للإبادة وتأثيره المباشر على أمن الجاليات اليهودية).

24.     تحليل سياسي واجتماعي لمستقبل الجاليات اليهودية تحت ضغط الفاشية الصهيونية، مجلة الفكر الحر، ص. 204.

25.     أنطون سعاده، الأعمال الكاملة، المجلد الأول، مرجع سابق، ص. 128 (نقد التقاعس والاكتفاء بالمواقف النظرية للجاليات في المهجر).

26.     المصدر نفسه، ص. 130.

27.     ندوات النهضة القومية، محاضرات في حتمية الصراع ومستقبل المشرق، دار سعاده للنشر، ص. 175.

28.     قراءة جيوسياسية شاملة لتصدع الكيان الصهيوني، مركز أبحاث المشرق، ص. 312، 2026.

29.     أنطون سعاده، المحاضرات العشر، مرجع سابق، الخاتمة الفلسفية، ص. 195.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *