مشروع الدولة

فشل مشروع إقامة «الدولة»، في جميع كيانات أمتنا، على الرغم من ادعاء وحدة تراب هذه الكيانات، وهذا لا يعود إلى افتقاد المجتمع، وتأجيل تأسيسه على أصوله المعرفية المعاصرة، بل يعود في الأساس إلى عجز «الدولة» نفسها عن تعريف ذاتها، وحقن هذا التعريف في الثقافة الاجتماعية، التي تشكل مرآة «الدولة»، ولكن كل دولة نشأت في هذه البلدان، أخفت هذا التعريف، عبر تهشيم المرآة، فانتفى الشعب بأفراده الأعضاء، وبقي العنف غير المقونن، بديلاً عنها، في ممارسة هيولية ضمن تعريف هيولي لأوضح المفاهيم البشرية على الإطلاق ، وأكثرها تجريباً ونجاحاً، من تعريف ماكس فيبر الشهير، حتى تعريف جورج جيلينك الأكثر علانية، ليصبح عجزها عن تعريف ذاتها، هو حالة من العداء مع أي مختلف، باعتباره عدواً، وهذا ما عاشه شعبنا في كافة كيانات هذه الأمة بما فيها «دولة» فلسطين الجنينية، التي تحمل عوامل إجهاضها بعجزها عن تعريف نفسها، إذا لا مصالح دنيوية يجمع عليها أفراد الاجتماع البشري، بل منظومات من التعصب الجهول، تقتفي أثر المختلف وتقضي عليه أو يقضي عليها، وهذا ما نراه ونلمسه، مع التغيّر الانقلابي للسلطة في كافة أرجاء الأمة و«دولها»، من عدم معرفتها لتعريف نفسها، بمقاربة معرفية للتكنولوجيات الحكومية المتنوعة في العالم، مع إصرار جهول على خصوصية وتمايز تجربتنا السياسية، التي طالما انتهت بالهزائم العسكرية، والافتقار الاقتصادي، والتوهان الديبلوماسي، حيث تتأسس هكذا دولة على وزارتي الإعلام والأمن، ومن بعدهما يأتي الطوفان الانقلابي التالي، ليفجر مفاجأة في الجهالة، تتخطى منجزات سابقة بقدرتها، على التناغم مع الهزائم، والتمطط مع الشرشحة.

إذا قلنا أن المجتمع هو اجتماع على المصالح فقط، بما يعني المساواة المطلقة بين أفراده، تنتفي الحاجة للإنصاف، بين الطوائف والمذاهب والعشائر والأثنيات، والأهم من هذا كله هو أن ليس لأحد أن يخون مصلحته مهما اختلف مع «دولة» أو «آخرين»، لذلك المختلف ليس خائناً، ولا عدواً، بل ممارساً لمقتضيات السياسة، ولعل ارتباط معظم السياسيين بالخارج، ما هو إلا بقوة دفع «دولة» لا تجرؤ على تعريف نفسها، هذا بالإضافة إلى ولادة هذه «الدولة» جاء بالاصطلاح الخارجي أصلاً، ولا أحد يجرؤ على النظر إلى المرآة، إلا بعد خراب البصرة.

الدولة هي تكنولوجيا حماية الاجتماع البشري، عبر إدارته إدارة رشيدة، وما شاهدناه منذ الاستقلال حتى اليوم، ما هو سوى عمال أو ولاة، يشكلون جهازاً للتحكم بمقدرات الاجتماع ما قبل المجتمعي، يذبون الناس للانضواء في بنى غير مجتمعية وتراقب صراعاتهم، وتهزأ بها، وفي الوقت نفسه تستفيد من الفراغ الحاصل من انعدام المجتمع وأفراده، وبعد هذا كله يكتشف الناس أنهم مخدوعون، والبلاد إلى الانهيار، والأفراد في خطر، يكتشفون أن هذا من صنع أيديهم، ولا يندمون، لإنهم لا يمتلكون جرأة المرآة، فيقبلون بالهزائم كأقل الشرور، خير من أن يكونوا أعداء دولة غير معرفة معرفياً.

و«الدولة» في هذه الحالة تقبل خنوع الشعب، الذي غالباً ما يظهر كتشبيح لصالح جهازها المرتجل، متصالحة مع شعاراته الإبادية، لا بل مقدمة له الذرائع كي يستزيد من تخريب التعريف، طالما الشعب يأكل بعضه، والمسؤولية تقع عليه فلا ضير أن يدمر الشعب أسباب اجتماعه، طالما لديها الغلبة على العلم والمعرفة، بحيث يمكنها التصرف بارتجال إداري وحكومي، دون حسيب أو رقيب، إلا وجه المتحكم الخارجي بزمام الأمور، وما أحسن ما تتوصل إليه هكذا «دولة» بالنسبة له، ليفتح الشعب عينيه ليرى نفسه في أحشاء التخلف، فيعيد الكرة.

ما فائدة العلم والمعرفة إذا….. ما فائدتهما لـ «دول» أصرت على إدمان التخلف، وليكن ما يكون، وهذا ليس مؤامرات، بل على رؤوس الأشهاد، طالما العصى تغني عن حتى الجزرة، فالينقبر الناس في هوايات تعصبهم وتخلفهم، طالما لا يعرفون مصالحهم، ولا يعرفون أنهم وحدهم المسؤولين عن المحاسبة، فيكون أي كيان أو جهاز  يمكن إطلاق إسم «دولة» عليه هو دولة، فإذا كان أصحاب هكذا «دول» لا يعرفون معنى الدولة واستحقاقاتها، فكيف لشعب عاقر المعرفة، أن يميزها بين كل الكيانات المرتجلة لما سمي قسراً «دولة»؟

دخول العصر الحديث والعيش فيه ليس مزحة، ولا مشواراً ترفيهياً لأشخاص عبدو السلطة والنفوذ، فتكنولوجيات الحداثة، محايدة وباردة، ما يقترب منها أي متخلف ( معلن أو مموه) حتى تبتلعه وتفرمه وتفرزه من أحشائها كوقود أو سماد، وهكذا تصبح هكذا «دول» خزان احتياطي لرفاه الآخرين وشوكتهم الجاهزة عند اللزوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *