إسبانيا ربحت المونديال وفلسطين أثبتت حضورها في الوجدان العالمي

فوز اسبانيا في كأس العالم أشعل الكرة الأرضية فرحاً. ملايين في العالم تابعوا المباراة النهائية بين اسبانيا والأرجنتين. والفوز الذي حققه الفريق الاسباني جعل مسابقة كأس العالم تستعيد العدالة وتنتقم للظلم والتجاوزات التي لحقت بالفريق المصري والمغربي أمام أعين رئيس الفيفا جياني انفانتينو وداعمه الرئيس دونالد ترامب. 

اسبانيا فازت بلقب بطل كأس العالم. هزم فريقها فريق الارجنتين، الفريق المفضل لبنيامين نتنياهو، والأكثر صهيونية. الفريق الذي تفاخر رئيس بلاده أنهم أبناء عم نتنياهو. خسر فريق الصهاينة وانتصر فريق القضية الفلسطينية.

فوز إسبانيا في نهاية كأس العالم أظهر نبل الإسبان وعلى رأسهم رئيس الدولة فيليبي السادس ورئيس الحكومة بيدرو سانشيز، وأظهر بالمقابل عجرفة الفريق الأرجنتيني على الملعب الأخضر وسوء أخلاق لاعبيه الذين لم يتوانوا عن مهاجمة خصمهم بالضرب.  

فوز اسبانيا شكّل خسارة مزدوجة لنتنياهو: الارجنتين تسقط، وعلم فلسطين يرفرف في لحظة تتويج اسبانيا. وبذلك رفع هذا الفوز ضغط نتنياهو للمرة الثانية: المرة الأولى حين اعترفت اسبانيا بالدولة الفلسطينية، والمرة الثانية حين ربحت كأس العالم على حساب الأرجنتين.

كان بيدرو سانشيز نجم الساحة المونديالية. دافع بقوة عن اللاعب لامين يمال الذي رفع علم فلسطين عالياً معبّراً عن تضامنه مع فلسطين، وقال «الذين يعتبرون رفع علم دولة ما» تحريضاً على الكراهية« إما أنهم فقدوا صوابهم أو أعمتهم دناءتهم الخاصة. يامين لامال عبّر فقط عن التضامن مع فلسطين الذي يشعر به ملايين الإسبان. سبب آخر يجعلنا فخورين به».

 وقف سانشيز إلى جانب فلسطين حين التزم معظم العالم الصمت. ولطالما ردد بأن «فلسطين تنزف أمام أعيننا وما يجري في غزة والضفة لا يمكن غض الطرف عنه في أوروبا والعالم». رفض الانضمام إلى حرب ترامب على إيران، كما رفض دعم الكيان الصهيوني.

اسبانيا آثرت المبادئ على كسب الشعبية فقد استحقّت الفوز بكأس العالم بفضل أفعالها لا بصمتها، في وقت اكتفى الآخرون بالتصفيق للخيارات الآمنة، فيما رفع الإسبان، الفائزون الحقيقيون، الكأس.

ليس موقف اسبانيا هو الأول والوحيد المؤيد لفلسطين ولبنان، بل يأتي في سياق سلسلة من مواقف عدة ومتراكمة في عدد من المسائل التي تتعلق بمنطقتنا. ولطالما كانت هذه الدولة الأوروبية متمايزة عن سواها في الاتحاد الأوروبي، مؤيدة للقضية الفلسطينية ومُدينة باستمرار الإبادة الجماعية في غزة والاعتداءات «الاسرائيلية» على جنوب لبنان.

منذ بداية الحرب على قطاع غزة، تمايزت السياسة الخارجية الإسبانية عن موقف العديد من الدول الأوروبية، فكانت من الناشطين في تعزيز المساعدات الإنسانية لقطاع غزة، وفي أكثر من مناسبة دعا سانشيز الاتحاد الأوروبي لتبني مواقف حازمة وأكثر صرامة حيال حرب الإبادة الجماعية في غزة والتدمير الممنهج لبناها التحتية وللمدارس والجامعات والمستشفيات… فضلاً عن حظر دخول شخصيات «اسرائيلية» إلى اسبانيا، تعتبرها مدريد مسؤولة مباشرة عن حرب الإبادة والدمار التي قام بها الاحتلال «الإسرائيلي» ضد الفلسطينيين. وقادت هذه المواقف عدداً من الدول مثل إيرلندا وسلوفينيا وبلجيكا إلى حذو حذوها فاندفعوا للمطالبة بوقف إطلاق النار وزيادة المساعدات الإنسانية إلى غزة في مواجهة المنع الأميركي والبريطاني. 

التحول الأبرز في السياسة الاسبانية حيال منطقتنا لا سيما فلسطين كان خصوصاً منذ أن تولى رئيس الوزراء بيدرو سانشيز قيادة الحكومة عام 2020، فقد واجه بقوة التعنت الأميركي الذي يقوده الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ورفض الانصياع له. تبنّى مواقف مناهضة لجميع أشكال الاستعمار ومناصِرة للقضية الفلسطينية، واصفاً في تشرين الأول 2023 عمليات «إسرائيل» في غزة بأنها «ترقى إلى إبادة جماعية» داعياً إلى فرض عقوبات عليها ومحاكمة نتنياهو بتهم جرائم حرب. وتوجت هذه المواقف بالاعتراف رسمياً بدولة فلسطين في 28 أيار 2024، وذلك في خطوة منسقة مع كل من النرويج وأيرلندا.

وذهبت اسبانيا بعيداً في مواقفها حين أعلنت في تشرين الأول 2023 تعليق جميع صادراتها العسكرية إلى تل أبيب. وكان مجلس النواب الإسباني قد صوّت في أيار 2025 على اقتراح غير ملزم يدعو إلى فرض حظر أسلحة شامل على «إسرائيل»، وزيادة الدعم الإنساني لغزة، وتعزيز الأدوات القانونية الدولية لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات. وفي أيلول 2025، أقرّ مجلس الوزراء الإسباني مرسوماً ملكياً يُضفي الطابع القانوني والدائم على حظر الصادرات العسكرية إلى الكيان الصهيوني، ليشمل جميع أنواع الأسلحة والمعدات العسكرية. وعلى خلفية استمرار حرب الإبادة على قطاع غزة، ألغت إسبانيا صفقة ثالثة لشراء أسلحة من «إسرائيل» بقيمة 207 ملايين يورو، بعد يومين من دخول قانون لحظر تجارة السلاح مع إسرائيل حيز التنفيذ، والذي ينص على منع تصدير أو استيراد أسلحة وتقنيات مزدوجة الاستخدام من وإلى إسرائيل، وحظر مرورها عبر الموانئ الإسبانية.

وكانت الحكومة الإسبانية قد ألغت قبل ذلك عقداً تناهز قيمته 700 مليون يورو لشراء قاذفات صواريخ «إسرائيلية» التصميم، كما ألغت عقداً آخر يشمل شراء 168 قاذفة صواريخ مضادة للمدرعات بقيمة 287.5 مليون يورو. ووضعت خطة تعمل على تطبيقها للتخلص من الأسلحة والتكنولوجيا «الإسرائيلية» الموجودة لدى قواتها المسلحة.

على خط آخر لا يغيب عن بال أحد ما بذلته إسبانيا من جهد لتخفيف معاناة سكان غزة، فعندما قامت دول أوروبية بتجميد مساعداتها لوكالة الأونروا، بادرت إسبانيا والبرتغال إلى زيادة مساهماتهما المالية للوكالة للتعويض عن ذلك التخفيض.

تطول لائحة المواقف الإسبانية المؤيدة لقضايانا المحقة وعلى رأسها فلسطين وجنوب لبنان، وطالما أن بدرو سانشيز هو على رأس حكومتها، فإن ثمة خرق في الجدار الأوروبي يعزز عدالة قضيتنا وأحقيتها.

صحيح أن إسبانيا فازت في المونديال، إلا أن فلسطين ربحت حضوراً في الوعي العالمي. وخسرت «إسرائيل» لأن العالم اكتشف وجهها الإجرامي. أما قوة الولايات المتحدة فبدت محدودة أمام هذا الاستفتاء العالمي الذي جرى على أرضها بين اسبانيا والأرجنتين، والذي أظهر عجزها عن إخفاء علم فلسطين على مدرجات الملاعب، أو محو أثره من الوجدان العالمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *