على امتداد قرابة مئة عام، شكّلت الأحزاب العقائدية في سورية ولبنان، وفي فضاء الهلال الخصيب بصورة عامة، أحد أهم الفاعلين في الحياة السياسية والفكرية. فقد ولدت هذه الأحزاب في مرحلة كانت المنطقة تعيش فيها مخاضات كبرى، من انهيار الإمبراطورية العثمانية، إلى فرض الانتدابات الأجنبية، مروراً بتقسيم الجغرافيا السياسية وولادة كيانات جديدة حملت في داخلها تناقضات الهوية والانتماء. وفي تلك المرحلة، جاءت الأحزاب العقائدية لتقدم مشروعاً فكرياً متكاملاً يتجاوز الأشخاص والمصالح الآنية، ويضع رؤية شاملة لمستقبل المجتمع والدولة والأمة.
لم تكن هذه الأحزاب مجرد تنظيمات انتخابية أو تجمعات تبحث عن السلطة، بل كانت مدارس فكرية، خرّجت مفكرين ومناضلين ومثقفين، وأسهمت في تشكيل الوعي السياسي لأجيال متعاقبة. واستطاعت، رغم ما تعرضت له من ملاحقات وانقسامات وحروب وإقصاء، أن تحافظ على وجودها، وأن تبقى حاضرة في المشهد العام بدرجات متفاوتة.
غير أن العالم الذي تعيش فيه هذه الأحزاب اليوم لم يعد يشبه العالم الذي نشأت فيه. فوسائل الصراع تغيرت، وأدوات التأثير تبدلت، وأصبحت القوة الناعمة، والإعلام الرقمي، ومنصات التواصل الاجتماعي، والمؤسسات المدنية، عناصر لا تقل تأثيراً عن الأحزاب التقليدية. كما أن التحولات الاقتصادية والثقافية، وتسارع تدفق المعلومات، أوجدت جيلاً جديداً تختلف أولوياته ووسائل تواصله ونظرته إلى العمل العام.
ومن أبرز التحولات التي فرضت نفسها خلال العقود الأخيرة تنامي دور المنظمات غير الحكومية (NGOs)، التي أصبحت لاعباً مهماً في مجالات التنمية، والإغاثة، والتعليم، والبيئة، وحقوق الإنسان، وتمكين المرأة والشباب. وقد نجحت هذه المنظمات، في كثير من الحالات، في ملء فراغات تركتها الدولة أو القوى السياسية التقليدية، كما استطاعت أن تستقطب عدداً كبيراً من الشباب عبر برامجها وأنشطتها وفرصها المهنية.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن وجود هذه المنظمات يمثل تهديداً بذاته، فالكثير منها يؤدي أدواراً إنسانية وتنموية مشروعة، إلا أن التحدي بالنسبة للأحزاب العقائدية يكمن في قدرتها على التفاعل مع واقع جديد أصبحت فيه المنافسة تدور حول خدمة المجتمع، وبناء الثقة، والتواصل المباشر مع الناس، وليس فقط حول الشعارات الكبرى والخطابات الفكرية.
إن الأحزاب العقائدية التي بلغت اليوم قرناً من العمر تواجه اختباراً تاريخياً حقيقياً. فالمشكلة ليست في العقيدة، وإنما في آليات التعبير عنها. فالفكر الذي لا يترجم إلى برامج عملية، ولا يواكب تطور المجتمع، يفقد تدريجياً قدرته على التأثير، مهما كانت قيمته التاريخية أو الفلسفية.
لقد تغيرت أولويات الشباب. فالأجيال الجديدة تبحث عن فرص العمل، والتعليم، والعدالة الاجتماعية، والشفافية، والبيئة النظيفة، والحوكمة الرشيدة، بقدر ما تهتم بالقضايا الوطنية الكبرى. ولذلك فإن الحزب العقائدي المعاصر مطالب بأن يقدم حلولاً لهذه القضايا اليومية، دون أن يتخلى عن رؤيته الفكرية أو رسالته التاريخية.
كما أن الثورة الرقمية فرضت واقعاً جديداً، حيث أصبحت المعركة على الهواتف الذكية قبل أن تكون في قاعات الاجتماعات. فالرأي العام يتشكل اليوم عبر المنصات الرقمية، والأفكار تنتشر خلال دقائق، بينما ما زالت بعض الأحزاب تعتمد أساليب تنظيمية وإعلامية تعود إلى عقود مضت. ومن هنا، فإن الاستثمار في الإعلام الحديث، والتواصل مع الشباب بلغتهم، وإنتاج محتوى فكري معاصر، لم يعد خياراً، بل أصبح ضرورة وجودية.
إلى جانب ذلك، تواجه الأحزاب العقائدية تحدياً داخلياً لا يقل أهمية، يتمثل في تجديد النخب والقيادات. فاستمرار أي حزب لا يقاس فقط بعمره الزمني، وإنما بقدرته على إنتاج قيادات جديدة تحمل الفكر ذاته بروح العصر، وتتمتع بالكفاءة والنزاهة والقدرة على الحوار والانفتاح.
ولعل التجارب العالمية تؤكد أن الأحزاب التي استمرت لعقود طويلة هي تلك التي استطاعت الفصل بين ثبات المبادئ ومرونة الوسائل. فالمبادئ الكبرى قد تبقى ثابتة، أما الوسائل التنظيمية والإعلامية والإدارية فهي أدوات قابلة للتطوير المستمر بما ينسجم مع تغير المجتمع.
إن الاحتفال بمئوية أي حزب عقائدي لا ينبغي أن يكون مناسبة لاستذكار الماضي فقط، بل محطة للمراجعة النقدية والتقييم الصادق. فالتاريخ يمنح الشرعية، لكنه لا يمنح ضمانة الاستمرار. والاستمرار لا يتحقق إلا بالقدرة على قراءة المتغيرات، وفهم احتياجات المجتمع، والانفتاح على الأجيال الجديدة، وتحويل الفكر إلى مشروع عملي يلامس حياة الناس اليومية.
وفي منطقة لا تزال تواجه تحديات الانقسام، والأزمات الاقتصادية، والهجرة، وتراجع الثقة بالمؤسسات، تبرز الحاجة إلى أحزاب تمتلك رؤية استراتيجية، وتستند إلى فكر واضح، لكنها في الوقت نفسه قادرة على تجديد أدواتها، واحترام التعددية، والتفاعل مع المجتمع بلغة العصر.
إن الأحزاب العقائدية في الهلال الخصيب تقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي. فإما أن تعتبر المئة عام الماضية نقطة انطلاق نحو قرن جديد من التجدد والحضور الفاعل، وإما أن تكتفي بأمجاد الماضي، فتتحول مع الزمن إلى جزء من الذاكرة السياسية. وبين هذين الخيارين يبقى المستقبل مرهوناً بقدرة هذه الأحزاب على الجمع بين أصالة الفكر، ومرونة الأداء، واستيعاب التحولات الكبرى التي تعيد رسم ملامح السياسة والمجتمع في القرن الحادي والعشرين.
إبراهيم الدن

