في نشأة الدولة الحديثة ومالاتها.. البناء الفلسفيّ لفكرة المواطنة

نظام مارديني ـ الحلقة الأولى

«لدولة شأنٌ ثقافيٌ بحت لأن وظيفتها، منْ وجهةِ النّظرِ

العصْريّةِ، العنايةُ بسياسةِ المجتمعِ وترتيبِ علاقاتِ أجزائهِ

في شكلِ نظام يُعيّنُ الحقوقَ والواجباتِ». انطون سعاده

                                          نشوء الأمم، ص 108

ليست أزمة الإنسان المشرقي العربي المعاصر، في أحد أعمق وجوهها، نقصًا في الكلمات، بل فائضًا فيها. لا يكاد المجال العامّ يخلو من مفردات ضخمة المقام، عظيمة الوقع، من قبيل الحرية والكرامة، والهوية، والوعي، والأصالة، والقيم، والنهضة، والحقيقة. غير أنّ كثافة حضور هذه الألفاظ لا تعني بالضرورة حضور ما تشير إليه في الحياة الفعلية. بل قد تقع المفارقة الأكثر إيلامًا حين تتضخّم اللغة، وتضعف التجربة؛ وحين يكثر الكلام عن المعنى، فيما يزداد الإحساس الخفي بفراغه.

تعتمد المرتكزات المهمّة التي تمثّل حقيقة نشوء وتكوين الدولة على مقومات عديدة لا يمكن مغادرتها أو الاستغناء عنها إذا ما أردنا أن نتحدث عن المفهوم السياسي والاجتماعي الذي يتعلق بكيفية الإحاطة بجميع أركان الدولة التي تمثّل «الإنسان والأرض والسيادة» وما يترتب عليها من اهتمام وتنفيذ وعلاقة ما بين السلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية) في أي دولة ترعى مصالح شعبها وتهتمّ بالحفاظ على الاستقلال السياسي وحماية أمن شعبها وسلامة حدودها واستقلالها الاقتصادي القائم على استخدام ثروات البلاد لتقدّم ورفاهية الشعب وتأمين مستقبل الأجيال القادمة.

لم تنشأ الدولة من فراغ، ولا انبثقت من رحم التاريخ بلا مقدّمات، ولكنّها وُلدت في سياقٍ أوروبيّ مشحون بصراعات دينية، وتحوّلات اقتصادية، وتمرّدات على المرجعية الكنسيّة، واحتجاجات فلسفية على التصوّرات الثيوقراطية؛ فتشكّلت الدولة الحديثة باعتبارها «ضدًّا» على ما سبقها، لا «تطوّرًا» منه؛ وبهذا المنظور النقدي، فإنّ دراستها لا تكتمل إلّا في ضوء مقارنتها بما تجاوزته، وعلى رأسه الدولة الإمبراطورية.

ولكن، إذا كان الفكر الغربي الحديث أفلح في بلورة نظرية حول الدولة، وجدت تجسيدها العملي في نموذج الدولة الحديثة الغربية التي أفاض عالم السياسة الألماني ماكس فيبر في جرد عناصرها ومميّزاتها، فإنّ الفكر القومي العربي/ الإسلامي– بالمقابل– لم يتوصّل إلى نظرية واقعية حول الدولة، وظلّ حبيس التفكير الطوباوي بشأنها، ما دام أنه يُقِرّ بتعذّر إصلاح الدولة القائمة بالطرق الطبيعية (إنّ طوبى الفقيه تستلزم تدخّلاً إلهيًّا)، مقارنة بالفكر الغربي الذي ينظر إلى الدولة كتجسيد عملي للعقل والأخلاق والحرية (عند ميكيافيلي وهيغل)، وأنها لذلك تعدّ غاية في حدّ ذاتها. (راجع قراءة في كتاب- «مفهوم الدولة» – لعبد الله العروي، للباحث صلاح الدين ياسين، الحوار المتمدّن، 2023 / 11 / 6).

فالنظرية الغربية تفترض إمكان إصلاح الدولة واستمرارها عمليًّا، خلافًا للطوبى التي تنتهي إلى نفي الدولة (في الخلافة تنعدم الدولة حيث تذوب الأخيرة في الدين والمجتمع).

وبرغم نقل بعض المذاهب الفكرية الغربية (الليبرالية، الماركسية، القومية… إلخ) إلى العالم العربي تزامنًا مع الإصلاحات التي عرفتها الدولة في عهد التنظيمات، وأيضًا في الحقبة الكولونيا لية (إصلاح الإدارة والبيروقراطية، التعليم، الخزينة والضريبة، الجيش، سياسات تطوير صناعي وزراعي… إلخ)، فإنّ تلك التحوّلات الموضوعية لم تفضي إلى تأسيس نظرية في الدولة، بقدر ما عمّقت من أزمة مشروعيتها، ما دام أن دول العام العربي ذات طبيعة استبدادية تعسفية عند الليبرالي العربي، وهي دولة طبقية استغلالية عند الماركسي العربي، فضلاً عن الوحدوي الذي يُنظّر لدولة الوحدة المستقبلية دون أن يعبأ بدراسة وفهم الواقع الحالي للبيئات العربية.

أركان الدولة الحديثة

هناك ثلاثة أركان رئيسية أو عناصر مهمّة لا بدّ من توافرها لكي تكتسب المجتمعات السياسية صفة الدولة وهي:

شعب: وهم جموع الأفراد المواطنين فى الدولة.

إقليم: وهو رقعة معلومة ومحدّدة من الأرض يعيش فيها الشعب وتشمل ما يعلوها من أجواء وما يحيط بها من مجال بحريّ إقليمي.

سلطة: وتعبّر عن إرادة الدولة وتتجسّد في نظام سياسي له حكومة تمثّل أو تعكس الشخصية الاعتبارية للدولة في علاقاتها وتعاملها مع الأفراد في الداخل ومع الدول الأخرى في الخارج.

وتقف نظرية العقد الاجتماعي في مقدّمة النظريات الخاصة بنشأة الدولة من وجهة نظر كثير من كتاب وفلاسفة الفكر السياسي، بل إنهم يُرجعون التنظيم السياسي الحديث وسيادة مبادئ الديمقراطية الحديثة إلى هذه النظرية؛ وتقوم نظرية العقد الاجتماعي من حيث المبدأ على افتراضين: الأول هو ما يتناول حالة الفطرة الأولى، والثاني يدور حول فكرة العقد، سواء أكان هذا العقد اجتماعيًّا أو سياسيًّا، والذي يتّضح عن طريقه تكوّن المجتمع السياسي ونشأته، وقد يكون هذا العقد بين الحاكم والمحكومين فيسمّى عقدًا حكوميًّا.

لقد أدّت نظرية العقد الاجتماعي دورًا كبيرًا في تطور الفكر السياسي والمجتمعات السياسية حيث مهّدت الطريق لضرورة تنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكومين على أسس موضوعية، كما كان لهذه النظرية الفضل في إقرار كثير من مبادئ النظرية الديمقراطية مثل الإرادة الشعبية، وتقرير الحرية السياسية وسيادة القانون، ورقابة المحكومين على الحكومة، حيث يمكن القول بشكل عام إنّ الكثير من الدول التي أخذت بمبدأ المساواة بين الأفراد فى الحقوق السياسية وبالأخص حقّ الانتخاب كانت متأثرة بنظرية جان جاك روسو.

يشدّد مارتن سميث، في الفصل الأول (من كتاب «الدولة: نظريّات وقضايا»، ترجمة أمين الأيوبي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات)، «التعددية»، على أنّ نظرية التعددية كانت، ولمّا تزل، منظورًا عظيم التأثير في التحليل السياسي عمومًا، وفي نظرية الدولة خصوصًا، في إشارة إلى أنّ التطورات الحديثة في الفكر التعدّدي وجوهر الاستقرار من صميم المقاربات التعددية. ويتميز هذا الجوهر بتشديد مستمر على مركزية المجموعات، إيمانًا بتقييد سلطة الدولة وفهم السلطة بأنّها معممة. ويسلّط سميث الضوء على ضعف إخفاق النظرية في إثبات أنّ الدولة مثار إشكاليات، وميلها المتأصّل إلى النظر إليها من منظور حيادي. المفارقة هي أنه إذا كان يُنظر إلى الدولة دائمًا على أنها تمثل النقطة المرجعية المركزية في نظرية الدولة ونقطة انطلاق لجميع النظريات الأخرى، فإنّ مفهوم التعدّدية للدولة في حدّ ذاته لا يتمتّع بالتفسير الكافي.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *