الثقافةُ التي تَصنعُ النَّهضة: الشَّبابُ والعقلُ الحُرُّ في فكرِ سعاده

إذا كان الوعيُ بدايةَ النَّهضة، وكانتِ التربيةُ تصوغُ الشخصية، وكانتِ الأخلاقُ تحمي مسيرتَها، فإنَّ الثقافةَ هي التي تمنحُ الإنسانَ القدرةَ على الفهمِ والحُكمِ والإبداع.

ولهذا شدَّد أنطون سعاده على أنَّ «المعرفةَ والفهمَ هما الضرورةُ الأساسيةُ الأولى للعملِ الذي نسعى إلى تحقيقه.»[1] فلم ينظر إلى الثقافةِ بوصفها ترفًا فكريًا أو زخرفةً معرفية، بل بوصفها ضرورةً من ضروراتِ النَّهضة. فالثقافةُ عنده ليست جمعًا للمعلومات، بل بناءٌ للعقل، وتصحيحٌ للاتجاه، وإعدادٌ للإنسانِ القادرِ على فهمِ مجتمعِه وخدمةِ قضيتِه. فالأمةُ لا تنهضُ بكثرةِ المتعلِّمين إذا بقيت أسيرةَ الأفكارِ الموروثة، ولا تتقدَّم إذا اكتفت بحفظِ المعلوماتِ دون أن تُحسن استخدامها. ولهذا كانتِ الثقافةُ، في نظرِه، عمليةَ بناءٍ للعقل، لا مجردَ تكديسٍ للمعرفة[2].

الثقافةُ التي تُغيِّر الإنسان

لم يكن سعاده يريدُ جيلًا واسعَ الاطلاع فحسب، بل جيلًا يُحسنُ التفكير.

فالفرقُ كبيرٌ بين مَن يملكُ معلوماتٍ كثيرة، ومن يمتلكُ عقلًا قادرًا على تحليلِها ونقدِها وربطِها بالواقع.

ولهذا كان يدعو الشبابَ إلى البحثِ والسؤالِ والمناقشة، وإلى التحررِ من التسليمِ الأعمى، لأنَّ الحقيقةَ لا تُبنى على التقليد، بل على المعرفةِ الواعية.

وكان يؤكد أنَّ النَّهضةَ الفكريةَ تبدأُ عندما يتعلَّمُ الإنسانُ كيف يُفكِّر، لا ماذا يُفكِّر.

الندوةُ الثقافية: مدرسةٌ لإعدادِ القيادات

لهذا السبب لم يكتفِ سعاده بإلقاءِ الخطبِ العامة، بل أسَّس سنةَ 1937 الندوةَ الثقافيةَ المركزية، وجعلها مدرسةً فكريةً لإعدادِ الطلبةِ والشباب.

وفي هذه الندوة لم يكن الهدفُ تلقينَ العقيدةِ بصورةٍ جامدة، بل شرحَها، ومناقشتَها، وربطَها بقضايا المجتمعِ والحياة، حتى تصبحَ فكرًا حيًّا يُوجِّه العمل.

وبعد عودته من المغتربِ القسري، تابع المشروعَ نفسه في المحاضراتِ العشر، التي قدَّم فيها عرضًا منهجيًا للعقيدةِ القوميةِ الاجتماعيةِ وفلسفتِها، واضعًا بين أيدي الشبابِ أسسًا فكريةً متينةً تبني العقلَ قبل أن تُحرِّك العاطفة.

ولم يكن هذا الاهتمامُ بالثقافة أمرًا عارضًا، لأنها، في نظرِ سعاده، كانت إحدى الجبهاتِ الأساسيةِ في «حربِ العقائد»[3]. ولذلك دعا إلى جعلِ قضيةِ الثقافةِ في مقدمةِ القضايا التي تستحقُّ التخطيطَ والاهتمام، فالنهضةُ لا تنتصرُ بالقوةِ الماديةِ وحدها، بل بانتصارِ فكرتِها في العقولِ والنفوس. فالثقافةُ، في نظرِه، لم تكن مجموعةَ معارفَ متفرقة، بل رؤيةً متكاملةً للحياةِ والإنسانِ والمجتمع. ومن هنا شدَّد على أنَّ «الثقافةَ القوميةَ الاجتماعيةَ هي أساسُ كلِّ ثقافة»[4]، لأنها تمنحُ المعارفَ المتنوعةَ غايةً واتجاهًا، وتربطُها بحاجاتِ المجتمعِ وقضيتِه ومصلحتِه.

العقلُ النقدي

كان سعاده يُحذِّر من أخطارِ التفكيرِ السطحي، لأنَّ المجتمعَ الذي لا يُحسنُ التفكيرَ يسهلُ تضليلُه.

ولهذا دعا إلى ثقافةٍ تقومُ على التحليلِ والتمحيص، لا على ترديدِ الآراءِ الشائعة.

ولذلك كان يُحاربُ التلقينَ بقدرِ ما كان يُحاربُ الجهل، لأنَّ الإنسانَ الذي لا يُفكِّر بنفسِه يبقى عُرضةً للتضليل، مهما كثرت معلوماتُه.

فالعقلُ الحرُّ لا يرفضُ الأفكارَ لأنها جديدة، ولا يقبلُها لأنها قديمة، بل يزنُها بميزانِ الحقيقةِ ومصلحةِ المجتمع. ومن هنا كان يرى أنَّ الثقافةَ مسؤولية، لا مجردَ هواية.

المعرفةُ والعمل

لم يكن الهدفُ من الثقافةِ أن يبقى الشابُّ حبيسَ الكتب، بل أن تتحولَ المعرفةُ إلى قوةِ عمل. فكلُّ فكرةٍ لا تؤثرُ في حياةِ المجتمع تبقى ناقصة، وكلُّ معرفةٍ لا تُنتج عملًا تفقدُ جانبًا كبيرًا من قيمتِها.[5]

ولهذا كان سعاده يربطُ دائمًا بين الثقافةِ والعمل، وبين الفكرِ والإنتاج، وبين المعرفةِ والواجب. ومن أبلغِ ما قاله في هذا المعنى، وهو يروي بداياتِ رحلتِه الفكرية:

«وبديهيٌّ أني لم أكن أطلبُ الإجابةَ على السؤالِ المتقدم من أجلِ المعرفةِ العلميةِ فحسب. فالعلمُ الذي لا يفيدُ كالجهالةِ التي لا تضر. وإنما كنتُ أريدُ الجوابَ من أجلِ اكتشافِ الوسيلةِ الفعّالةِ لإزالةِ أسبابِ الويل.»[6]

فالمعرفةُ الحقيقية، في نظرِه، ليست معرفةً للتأملِ المجرد، بل معرفةٌ تهدفُ إلى فهمِ الواقعِ وتغييرِه، وإلى اكتشافِ الوسائلِ التي تنقلُ الأمةَ من حالِ الانحطاطِ إلى حالِ النَّهضة.

الثقافةُ المستمرة

ولم يعتبرِ الثقافةَ مرحلةً تنتهي بانتهاءِ الدراسة.

فالإنسانُ، في نظرِه، يبقى تلميذًا للحياةِ كلِّها.

ولهذا كان يطالبُ القوميين الاجتماعيين بالقراءةِ المستمرة، والدراسةِ الدائمة، وتوسيعِ آفاقِهم الفكرية، لأنَّ النَّهضةَ نفسها عمليةٌ متجددة، تحتاجُ إلى عقولٍ تتطورُ باستمرار.

ثقافةٌ تبني المستقبل

لقد كان سعاده يريدُ جيلًا يقرأُ ليعرف، ويعرفُ ليحكم، ويحكمُ ليعمل.

فالثقافةُ التي دعا إليها ليست ثقافةَ الاستعراض، ولا ثقافةَ الجدلِ العقيم، بل ثقافةٌ تُحرِّر العقل، وتُقوِّي الإرادة، وتفتحُ الطريقَ أمام الإبداع.

ومن هنا تبدو رسالتُه إلى الشبابِ شديدةَ الراهنيةِ في عصرٍ تتدفقُ فيه المعلوماتُ أكثرَ من أيِّ وقتٍ مضى، بينما يندرُ التفكيرُ العميق.

فما تحتاجُ إليه الأمةُ ليس مزيدًا من المعلوماتِ فحسب، بل مزيدًا من العقولِ الحرة، القادرةِ على التمييزِ بين الحقيقةِ والوهم، وبين المعرفةِ والدعاية، وبين الفكرِ الذي يبني، والفكرِ الذي يهدم.

ولهذا تبقى الثقافةُ، في فكرِ سعاده، إحدى أهمِّ أدواتِ صناعةِ النَّهضة، لأنها تصنعُ الإنسانَ القادرَ على حملِها، والدفاعِ عنها، وتجديدِها جيلًا بعد جيل.


[1] أنطون سعادة، المحاضرات العشر، ط 2018، عمدة الإذاعة، بيروت، ص 8.

[2]محاضرة الزعيم في مؤتمر المدرسين، النظام الجديد، المجلد 1، العدد 5، يوليو/ تموز ـ أغسطس/ آب 1948.

[3] المرجع ذاته.

[4] أنطون سعادة، الأعمال الكاملة، ج 6، “خطاب الزعيم في العيد القومي”.

[5] أنطون سعاده، الأعمال الكاملة، المجلد الثامن (1948- 1949)، خطاب الطلبة في الجامعة الأميركية (16 أيار 1949)

[6] أنطون سعادة، المحاضرات العشر، كتاب إلى المحامي حميد فرنجية، ص 56.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *