الحزب السوري القومي الاجتماعي… الأمة السورية المصغرة والدولة المنشودة

إذا كانت الديمقراطية التعبيرية هي، كما وصفها أنطون سعادة، «الاكتشاف السوري الجديد الذي ستمشي البشرية بموجبه فيما بعد»، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو:

هل بقي هذا الاكتشاف نظرية سياسية، أم أن سعادة نقله إلى حيز التطبيق؟

إن الجواب نجده في نظرة سعادة إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي نفسه.

فهو لم ينظر إليه بوصفه حزباً سياسياً كسائر الأحزاب، بل بوصفه النموذج الأول للأمة السورية التي تحقق فيها الوعي القومي الاجتماعي، ومنها تنبثق الدولة الجديدة.

ولهذا خاطب القوميين الاجتماعيين قائلاً:

“لماذا أنتم الأمة السورية مصغرة؟ لأنكم أنتم تمثلون حقيقة الأمة، وتعبّرون بمبادئكم عن القضية التي تحملونها في قلوبكم، عن إرادة الأمة وعن غايتها العظمى.”

وقال أيضاً:

لقد تعاقدنا على قضية خطيرة تساوي وجودنا، ألا وهي إنشاء دولتنا المستقلة.”

هاتان العبارتان تفتحان باباً واسعاً لفهم دستور الحزب.

فدستور الحزب ليس مجرد نظام داخلي لتنظيم سياسي، بل هو أول تجربة دستورية للدولة التي أراد سعادة إنشاءها عندما تنتقل النهضة من الحزب إلى الأمة كلها.

ومن هنا تكتسب كل مادة دستورية، وكل مؤسسة حزبية، وكل رتبة، وكل آلية انتخاب، معناها الحقيقي.

فهي ليست وسائل لإدارة حزب، بل أدوات لبناء الدولة المنشودة، وعند هذه النقطة تظهر حقيقة كثيراً ما غابت عن النقاش.

فسعادة لم يلغِ التمثيل ولم يلغِ الانتخابات ولم يلغِ الاقتراع وأيضا لم يلغِ الأكثرية العددية، بل أبقى هذه الوسائل جميعها قائمة.

فالمديرية تتألف من عدد من الأعضاء، وبحسب عدد الأعضاء العاملين تُنتخب لجنة المديرية، وتتكرر هذه الآلية في المنفذيات ومجالسها. أي إن التمثيل التقني بقي قائماً، لأنه ضرورة تنظيمية لا غنى عنها. ولكن الجديد لم يكن في الوسيلة، بل في الغاية.

فالحزب، كما يقول سعادة، يمثل حقيقة الأمة. أما سلطاته ومؤسساته، فهي مطالبة بأن تعبّر عن إرادة الأمة وغايتها العظمى.

وهنا يتضح أن سعادة لم يضع التمثيل في مواجهة التعبير، بل جعل الأول في خدمة الثاني. فالتمثيل يحدد من يتولى المسؤولية. أما التعبير فيحدد لماذا يتولاها، وعن أي إرادة، ولأي غاية. ولهذا لم يعد العدد وحده أساس الديمقراطية.

فالعدد يختار والاقتراع يمنح الشرعية أما العقيدة فتحدد الاتجاه والتعبير يحدد وظيفة السلطة ومن هنا بقيت الانتخابات كما هي والأكثرية كما هي وأيضا بقي التمثيل كما هو لكن وظيفة السلطة تغيّرت فلم تعد مجرد ممثل لإرادات متفرقة، بل أصبحت مسؤولة عن التعبير الصحيح عن إرادة الأمة كما تشكلت داخل هيئة تحقق فيها الوعي القومي الاجتماعي.

من هنا يبرز سؤال آخر: إذا كانت الهيئة الحزبية هي الأمة السورية المصغرة، فمن هي الجهة المؤهلة لتحمل أعلى مسؤوليات التعبير عن إرادة الأمة؟

إن القانون الدستوري رقم (7)، المختص برتبة الأمانة وشروط حيازتها وصفات حاملها، يقدم مفتاح الإجابة.

كما أن اقتصار عضوية المجلس الأعلى على الأمناء يؤكد أن سعادة لم يجعل رتبة الأمانة مجرد مرتبة تكريمية، بل جعلها مرتبة دستورية تؤهل صاحبها لتحمل أعلى المسؤوليات في القيادة المركزية.

من هنا يمكن الوصول إلى قراءة دستورية متكاملة، فكلما اتسع الحزب، وتراكمت تجاربه، وازداد عدد المؤهلين لحيازة رتبة الأمانة، يصبح منطقياً أن يكون شغل المسؤوليات المركزية العليا محصوراً بجسم الأمناء، على أن يتم الانتقاء بينهم بالاقتراع الديمقراطي، ووفق الشروط والمؤهلات التي يتطلبها كل مركز.

وهنا أيضاً لا يختفي الاقتراع ولا تختفي الأكثرية ولا يختفي التمثيل.

بل تصبح هذه جميعها وسائل لاختيار من هو الأقدر على التعبير عن الإرادة العامة للأمة.

غير أن هذه القراءة، مهما بلغت من الاتساق، تبقى قراءة للمثال الذي أراده سعاده، لا وصفاً دقيقاً للواقع الذي آل إليه الحزب.

فالهيئة الحزبية لم تعد، في التطبيق، الهيئة التي افترض سعادة أن يكون الوعي القومي الاجتماعي قد تحقق فيها.

وقد أفرزت المراحل التاريخية المختلفة تضخماً عددياً، واختلالات تنظيمية وسياسية، أبعدت الحزب عن مثاليته الأولى.

والأمر نفسه أصاب جسم الأمناء فرتبة الأمانة، التي أرادها سعادة أعلى مراتب المسؤولية والالتزام، لم تعد، في التطبيق، مقتصرة دائماً على من تتوافر فيهم شروطها وصفاتها كما رسمها الدستور، بل أصابها هي أيضاً تضخم أضعف شيئاً من مكانتها الدستورية والمناقبية.

ومن هنا، فإن المشكلة لا تكمن في آليات الاقتراع، ولا في نظام الانتخابات، لأن سعادة لم يعترض عليهما أصلاً، بل في نوعية الهيئة التي تمارس هذا الاقتراع.

فالعبرة، في الفكر القومي الاجتماعي، ليست في سلامة صندوق الاقتراع وحده، بل في سلامة الهيئة التي تقف أمامه، فالهيئة التي لا يتحقق فيها الوعي القومي الاجتماعي لا تستطيع، مهما بلغت دقة إجراءاتها الديمقراطية، أن تنتج التعبير الصحيح عن الإرادة العامة.

ومن هنا، فإن أي محاولة لإحياء النموذج الذي أراده سعادة لا تبدأ بتعديل آليات الانتخاب، بل بإعادة بناء الهيئة الحزبية على الأسس التي وضعها المؤسس، بحيث يقتصر الانتماء العامل على الملتزمين عقيدة الحزب ونظامه ودستوره ومناقبيته وأخلاقه، وتستعيد رتبة الأمانة معناها الدستوري بوصفها رتبة مسؤولية لا رتبة تشريف وعندئذ فقط، يستطيع الحزب أن يستعيد دوره الذي أراده له سعادة: أن يكون الأمة السورية المصغرة، التي تنبثق منها الدولة السورية القومية الاجتماعية.

ويبقى بعد ذلك سؤال أكبر:

إذا كان سعادة قد سبق إلى هذا التصور منذ ثلاثينيات القرن الماضي، بينما كانت الديمقراطيات الغربية ما تزال تبحث عن مضمونها الاجتماعي والاقتصادي، فما الذي ميّز الديمقراطية التعبيرية عن الديمقراطية السياسية التي كانت سائدة آنذاك؟

هذا ما سنتناوله في حلقات قادمة

نظام حموي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *