ما بين جبران وسعادة.. الحرية حياة

في عصرٍ كان فيه السوريون مُثقَلين بأحمالِ جهلٍ وتخلفٍ ثقيلةٍ تركها احتلالٌ امتدَّ لأربعمائة عام، تلاه احتلالٌ حديثٌ بزيٍّ جديد، كان لابد من بروز أشعة نور في هذه العتمة، تهدي الناس سبل التحرر من كل تلك التَّركة، لامتلاك زمام حياتهم وأوطانهم بأنفسهم…

وهذا ما كان، فقد ظهر مفكرون وقادة سوريون عِظام، أسسوا لنهضة سياسية ومجتمعية أصيلة، كان المجتمع بأمسِّ الحاجة إليها؛ ولعل أبرزهم على الإطلاق المفكِّرَان السوريان أنطون سعادة وجبران خليل جبران، الذين حطَّما الأصنام الموروثة مجتمعياً وسياسياً وعقائدياً قبل أكثر من مئة عام، ليزرعا بذوراً لازالت إلى يومنا هذا تنمو وتثمر، برغم غيابهما المبكر عن الحياة.

وإذا ما تناولنا أحد المفاهيم الجوهرية التي نظَّرا لها، وهو مفهوم الحرية، نجد تقاطعاً رئيسياً وتكاملاً معنوياً في رؤية كلٍّ من جبران وسعاده للحرية؟

-الحرية في فكر جبران وسعادة:

يقول أنطون سعادة في مقال له عام 1925: «انهضي أيتها الأمم المستعبَدة، فما العبودية إلا قبرٌ أمواتُه أحياء! انهضي لأن الحرية هي الحياة، ومن لا ينهض لنيل الحرية خوفاً على حياته، خسر الحرية والحياة معاً».

أعطى سعاده الحريةَ مقاماً خطيراً في حياة المرء، إذ اعتبرها هي الحياة، فبدونها تغدو حياة المرء بلا معنى، بل أقرب إلى العبودية.

وفي رائعة «النبي»، لم يتردد الفيلسوف العالمي جبران خليل جبران في نقد النظرة السطحية للحرية -لدى الغالبية- بوصفها ما يوافق أهواء الناس، إذ يقول:

«لقد رأيت في ساحة المعبد وفي ظل القلعة أشدَّكم حماساً تُغلُّهم الحرية نِيراً في أعناقهم وقيداً في الرسغين؛ لن تكونوا أحراراً إلا إذا أضحتْ رغبتكم في الحرية عناناً يكبح جماحكم، وإلا أن تكفُّوا الحديثَ عنها هدفاً تسعون إليه وإنجازاً تحققون»

فالحرية عند جبران التزامٌ وانضباط، لا تَحلُّلٌ وفسادُ نفْس؛ وهو بهذا المعنى يتفق مع ما يذهب إليه الزعيم أنطون سعادة الذي يجعل الحرية إحدى أربع ركائز لا تقوم الحياة القومية الراسخة إلا عليها مجتمعةً، بقوله: «إن الحركة القومية الاجتماعية هي حركة الحرية، وهي أيضاً حركة الواجب والنظام والقوة»، فالحرية تتلازم مع الواجب والنظام والقوة، ومن هنا تصبح حريةً منضبطة، لا متفلِّتة أو فوضوية؛ وتصبح الحرية متلازمة مع المسؤولية، فالحرية الفردية -بحسب سعاده- تتلازم مع الأخلاق والالتزام بالأهداف القومية، ولا تكون حرية أنانية منعزلة عن المصلحة العليا للأمة.

وفي هذا السياق، لكن بتعبير روحي، يربط جبران الحرية بوجود الهدف في الحياة، والقدرة على تحدي المصائب والمصاعب والانتصار عليها، فيقول:

«لن تبلغوها وأيامكم فراغ بلا همٍّ تَحملون، ولياليكم خواء بلا حاجة تنشدون أو أسى تكابدون؛ وإنكم لبالغوها حقاً إذا ما أحدقت بكم النوازل والهموم فسَمَوتم عليها، نافضين لها، منطلقين من قيودها»

فللصعوبات والمِحَن وجهان: اختبارٌ لما زرعناه من وعيٍ فينا يجعلنا نفهم رسائل الحياة، وفرصةٌ للارتقاء والانتصار على سلبيات النفس واستنهاض قدراتنا الكامنة.

وفي مقولة: «الأمة التي تتنازل عن الحق في الصراع تتنازل عن الحرية، لأن الحرية صراع»، يربط سعادة الحرية بالصراع لأجل البقاء الكريم وحفظ الحقوق، ويؤكد أن حرية الأوطان لا تأتي وحدها بفعل الزمن، بل بفعل النضال والوعي القومي: «الاستقلال لا يتحقق تلقائياً، بل يعتمد على قدرة الشعب على تحرير نفسه ومقاومة من يريد استعماره وقمعه».

كذلك يربط حرية الأمة واستقلاليتها بالتضحية والجهاد القومي، فيقول: «الجهاد هو خير كفيل لنيل الحقوق وإحراز الحرية، وكل أمة لا تجاهد في معترك هذه الحياة تُوقِّع صكَّ عبوديتها بيدها، وتحكم على نفسها بالموت».

الزعيم أنطون سعادة ينظر إلى الحرية ببُعدها القومي، بينما الفيلسوف جبران خليل جبران ينظر إلى الحرية ببُعدها الإنساني والروحي، ويعيد الأمور إلى منطلقها، فيقول جبران:

«إذا كان طاغيةً تريد أن تثُلَّ عرشَه، فاستوثِق أولاً أنْ قد تَحطمَ العرشُ الذي أقمته له في نفسك؛ فهل لطاغيةٍ أن يحكم الأحرار والأعزَّة إلا إذا شابَ حريتهم الاستبداد، وخالط عزَّتهم العار؟!

وإذا كان همَّاً تودُّ أن تخلص منه، فإنك أنت الذي اخترته لنفسك، ولم يفرضه عليك أحد؛ وإذا كان خوفاً تودُّ أن تبدِّده، فإنه يتربَّع في قلبك أنت، وليس زمامه في يد من تخاف!»

يحمِّل جبران الإنسان كامل المسؤولية عن حياته، فيختم فصل الحرية في كتابه «النبي» بالقول:

«لعمري، إنَّ الأمور جميعاً، مرغوبةً أو مرهوبة، ممقوتةً أو محبوبة، منشودةً أو ممجوجة، تتحرك كلها في أعماق وجودك، تكاد تتعانق أبداً.

وهكذا تكون حريتكم، ما إنْ تخلص من أغلالها حتى تغدو هي نفسها قيداً لحريةٍ أعظم!»

إذاً، يرى جبران أن البشر، دون وعيٍ منهم، يَنشدون الحرية بحُرقة، لكنهم يعيدون صناعة الطغاة والقيود المرَّة تلو الأخرى! وما إن يصلوا إلى مستوى جديد من الحرية، حتى يتمسكوا به، ويقفوا عند حدوده، محوِّلين إياه إلى سجن جديد يَحُول دون المضيِّ قدماً في تطورهم وارتقائهم.

-الحرية في بُعديها الاجتماعي والديني لدى سعادة وجبران:

يتشارك كل من جبران وسعادة عمق النظرة إلى الحرية لا بوصفها حرية سياسية فحسب، بل بوصفها في الأساس حرية اجتماعية تؤسِّس للحرية السياسية الناجحة والصحيحة؛ فحرية المرأة في الاختيار والتعبير والمشاركة في نهضة مجتمعها لدى كليهما أمرٌ مُسلَّم به، حتى أن سعادة دعا لمشاركتها في الحياة السياسية كالرجل تماماً، إذ يقول: «لا ينبغي أن يقتصر النشاط القومي على الرجال، الإنتاج لا يمكن اعتباره قومياً ما لم تشارك فيه النساء ويصبحنَ عضوات فاعلات في المجتمع».

فقد أدرك سعادة، منذ حوالي المئة عام، بعمق نظرته للحياة ودراسته للمجتمع وكيفية نشأة الأمم، أن نهضة المجتمعات الحقَّة لا يمكن أن تقوم على قدمٍ واحدة، وإن قامت فقيامتها تلك تبقى قاصرة محدودة لا تحقق إلا تقدماً هزيلاً، إذ إن تكاتف المرأة مع الرجل في بناء مجتمعهما بوعي هو سر التقدم الحقيقي ومواكبة ركب الحضارة والإسهام فيه.

اما جبران وفي مؤلَّفاته، كالأجنحة المتكسرة والأرواح المتمردة، أطلق صرخة مدوية تهز عروش التقاليد المجتمعية البالية التي كانت تكبِّل أرواح النساء وتعاملهنَّ كمتاعٍ لا حقَّ له بالحب والاختيار وحرية التعبير.

في هذا السياق يبدو أن جبران وسعادة يتفقان تماماً حول دور معظم المؤسسات الدينية التقليدية في تكريس هذه الصورة النمطية عن المرأة، لإقصائها عن ممارسة دورها الفعَّال بحرية في حياة المجتمع بكل أبعادها، السياسية والاقتصادية والاجتماعية. 

لذا كان من أهم مبادئ الحزب السوري القومي الاجتماعي، الذي أطلقه أنطون سعادة، هو فصل الدين عن الدولة، لا لانتقاص الدين أو نكرانه، بل كخطوة ضرورية لضمان حرية المعتقد والتعبير للجميع من ناحية، ولحفظ المؤسسة الدينية، من ناحية أخرى، من الانغماس في قضايا السلطة الشائكة، وجعلها الموجِّه الروحي لقيم العدل والإنصاف والرحمة- كما يُفترض بها أن تكون.

فمن المعروف أن معظم المؤسسات الدينية تقيد حرية الفكر والاجتهاد في الفهم والتفسير، لصالح بقائها المرجع الوحيد للحقيقة بالنسبة لأتباعها، لكن المفكر أنطون سعادة دحض هذا التوجُّه، وربطَ الحقيقة بالحرية الفكرية، حين قال: «الحقيقة والمعرفة الصحيحة تظهران بالبحث الحر لا باضطهاد حرية الفكر»، وفي نفس الوقت أظهر تقبلاً لاختلاف الرؤى والعقائد في مجتمعه المصغَّر (لبنان)، معتبراً أن الحل لا يكون بقمع الفكر المخالف في الرأي، بل بحرية التعبير نفسها، حين قال: «إن مشكلة العقائد في لبنان هي مشكلة الحرية، ومشكلة الحرية لا تُحل إلا بالحرية».

وهكذا تجاوز أنطون سعادة في فلسفته القومية الاجتماعية الحرية كمفهوم فردي أناني ومجرد، إلى هدف ترتكز عليه النهضة القومية ويرتبط بحياة الأمة وسيادتها، فلا حرية مع التبعية، ولا حرية دون الاعتماد على الذات.

وتتكامل معه رؤية جبران خليل جبران إلى الحرية، بربطها بوجود معنى للحياة يحرِّك قدراتنا الكامنة ويوظِّفها في خدمة الحق والخير والجمال، ولا يؤطِّرها في إطار سقف محدد.

إن الأرواح العظيمة (كرائدَي النهضة العربية جبران وسعادة) لا ترحل بل تبقى في فضائنا الروحي، لتمدَّنا بالزخم الذي نحتاجه لنكمل الرسالة، علَّنا نكون أمينين عليها.

بقلم الباحثة م. منال الجبر – سوريا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *