تحاول كل بلدان العالم، عن طريق دولة المؤسسات، أن تجعل لوجودها معنى، تلتقطه من إمكانياتها الذاتية، كمواد أولية تعمّر بحجارتها ضرورة هذا الوجود، وهذا أمر من بدهيات التواجد على وجه الدنيا، ومع هذه البساطة البديهية هناك بلدان، ترى أن مجرد وجودها هو ضرورة للبشرية، بغض النظر عن التخريب الواقع عليها وعلى الآخرين، وهذه الخصلة تدعي التفوق، عبر أداء مموه للعنصرية، كبديل عن تحسس الوجود الذاتي من باب الانتفاع من هذا الوجود، وهذا ما يسمى «مجازاً» الإنتاج، الذي يرتكز برمته على الإبداع، الذي لا ينقسم ولا يقسم داخل العقلية العامة، فالإبداع هو ضرورة تكاملية بعلاقته بالإنتاج، ولا اختلاف بين صنوفه سوى ما تقيده الطبيعة مؤقتاً، وعلى هذا يجب أن يكون الإبداع خادشٌ “على الأقل” لما سبقه من استقرار (موات) إبداعي ارتكنت إليه العادات والتقاليد والشرائع التي لا تطيق التكيف مع مستجدات استحقاقات الوجود في الدنيا الحالية، المليئة بالتحديات الإنتاجية، فالضمان الصحي في اليابان، لا يأتي من أخلاق الساموراي، بل من اختراعات المبدعين التي تتحول في تكنولوجيات الإنتاج (صناعة وغلالاً وفكراً)، إلى نقود يشتري بها المجتمع الموجود حاجياته من شبع ومنعة، وعلى هذه النتائج يملأ الاجتماع البشري وجوده بالمعاني التي لا تتحقق القيم العليا إلا بها، وعلى نسب هذا الامتلاء ومناسيبه، يمكن معايرة الخواء في هذا الاجتماع أو ذاك، إذ لا تكفي بتاتاً عادات هذه الاجتماعات وتقاليدها ولا حتى تراثها، من تمويه الخواء، وهناك آلاف المعايير لرصده من قبل العامة، من الذين يرفعون عقيرتهم بالشكوى من ضعف أسباب وجودهم، وهم موافقون على تحمل ألم هذا الخواء، نظراً لوجودهم وتربيهم في خواء قديم وحتمي التوسع، فعلى سبيل المثال يجب خدش حياء الساموراي لتوليد يابان حديثة، فالساموراي بمعايير الاستحقاقات الوجودية، هو خواء وجودي يجب تحييده أو تشغيله في العمليات الإبداعية المستحقة لتفادي الخواء الوجودي.
في مجريات تاريخنا المعاصر إن كان سنوات النهضة المجهضة التي ابدأت حوالي 1850، أو ما بعد الحرب العالمية الأولى (أعني هنا ولادة «دول»)، وما تبعها بعد الحرب العالمية الثانية وما جرى من تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ، لم ينضح اجتماعنا البشري في شرق شاطئ المتوسط إلا بالخواء، بدلالة الإبداع والإنتاج، وما يوازيه من ضعف بنيوي، يجعل أهم الموارد، روثاً للهباء المسيطر على عقلية هذه الاجتماعات، وهذا ما نفهمه من أية جردة حساب بسيطة، ودون الدخول في المعادلات التكنولوجية والتكنولوجياتية، فالطائفية والمذهبية العنصريتان، تفتت وتذري هذه الاجتماعات على يد أصحابها، بمعنى استمرار تواجدها الفيزيائي دون معنى أو ضرورة، وهذا ما عشناه وعايشناه، في مسائل مثل عربستان وكليكية واسكندرون، ومن ثم فلسطين والجولان واليوم الضفة الغربية، حيث يحشى الخواء المجتمعي بمنتجات التخلف السامة، التي تتمسك بها هذه الاجتماعات البشرية دون أن تتقدم قيد أنملة نحو إحداث “المجتمع”، يتجلى ذلك برفض إبداع وإنتاج حياة اجتماعية قائمة على الكرامة والمساواة والحرية، بمعنى آخر أن هذه الاجتماعات غير موافقة جماعياً، على حل مشكلة الخواء الوجودي، لإنه يتطلب خدش حياء «الساموراي» المحلي، التي أقل ما يقال في قيمها، أنها انحطاطية، لقد حاول رواد النهضة ( الأوائل ومن أتى بعدهم) إنقاذ اجتماعهم من الخواء وهم يلاحظون تمدد الخواء العثماني إلى رقاب بني اجتماعهم، آملين ببداية جديدة، تهدف إلى جعل وجودهم ضرورياً في هذا العالم، (غاندي وأتاتورك مثالين فقط)، ولكنهم فشلو وأبيدوا (مشانق 6 أيار على يد المحلي وقتئذ جمال باشا مثالاً) وأبيدت مقترحاتهم الثقافية، ابتداءً من فرنسيس مراش الحلبى، وليس انتهاءً بمهدي عامل، فأية فكر أو مقترح غير قطيعي، سوف يدهس بأقدام القطيع، وكلما تقدمنا في الزمن تضاءلت فرص تقليص الخواء، فثقافة وعقلية القطيع لا تستطيع تحمل وجود مشهد إبداعي ينتجه الاجتماع «البشري» على سبيل السير نحو…. «المجتمع المعاصر».
ولكي لا نطيل المماحكة حول أهليتنا في إنتاج ضرورة لوجودنا، يمكننا النظر إلى ملامح الأداء المجتمعي في بلدان اللجوء، التي استقبلت الانتقالات من بلداننا إليها ، هذه الأداءات التي لا يستطيع أحد الدفاع عنها، ولا أن يقول (ليس الجميع)، إنهم كقطيع، صورة عن الخواء الوجودي، قيمياً وإنتاجياً، في بلدانهم الأصلية، ورفض الاندماج هو تكرار لإدائهم في اجتماعاتهم السابقة، ولعل ما سمي بصعود اليمين ( هي بلدانهم ومجتمعاتهم على أية حال) ما هو إلى محاولة لدرء الخواء وقيمه عن مجتمعاتهم ، وصعودهم السياسي ما هو إلا انعكاس لإراداتهم، وليس مجرد ميل شوفيني تكذب الوقائع ادعاءاته، وهذا ما هو إلا جرس إنذار تحضري، وصورة فوتوغرافية غير قابلة للتكذيب.
بلدان ليس لديها نخب قادرة على الاعتراف بالخواء الوجودي، وأساساً قامت هذه النخب بتدمير وإبادة النخب النهضوية والتحضرية، فكيف لنا الحديث عن اجتماعات بشرية برمتها، تمارس الخواء الوجود وتطالب بإلحاح بالمزيد منه.

