من مظاهرات «الحريديم» إلى إتلاف الكتب النادرة عصر الظلام الأممي يرتسم في الأفق!

يوم السبت في الأول من شهر آب، احتشد مئات من الحر يديم في أورشاليم ـ  القدس ببدلاتهم السوداء السميكة وقبّعاتهم الشتويّة في عزّ الحر وتحت أشعّة الشمس اللاذعة، فكان العرق يسيل مدرارا، ما بين ذؤابات الأذنين والّلحى الكثّة المتشابكة، ولكن الإيمان المتشدّد والمتسلح بالغريزة، يأخذ المبادرة دائما ويدفع بالمؤمن كي يتحدّى جَذِلا، طروبا، راضيا، مستسلما، كلّ هذا (الشوب والفطيس) و(التدعيس والتمعيس)، دِفاعا عن إيمانه المستقيم الصحيح

حصل ذلك أمام مقهى يدعى «بسميطة» في شوارع القدس، لسبب ديني متزمّت، وهو أن المقهى يفتح أبوابه يوم السبت أي يوم «الشاباط» وهذا أمر محرّم في الديانة اليهوديّة المتشدّدة.

احتشد المتظاهرون الحر يديم في الشارع أمام المقهى وأخذوا يصرخون باللغة اليديشيّة (مزيج من العبري والألماني): شاباط شاباط!! …

 ثم اقتحموا الحواجز التي وضعتها الشرطة من أجل احتلال المقهى، فما كان من الزبائن إلا وأن هبّوا ووقفوا سدّا منيعا أمام هجوم اليهود المتشدّدين، وما لبثت الشرطة وتدخّلت وانهالت على المقتحمين بالعصي!

المعركة ليست معركة عرضيّة وحسب؛ إنها معركة إثبات هويّة المدينة لمعرفة من هو المسيطر الفعلي فيها، فالانتخابات على الأبواب والشارع أصبح منبرا حاميا للمساجلات السياسيّة والخصام العقائدي، بين يهودي متطرّف ويهودي علماني

(بالحقيقة هما وجهان لعملة واحدة في السوء والتطرّف) ، وقد أدلى (افيكدور ليبرمان) وزير الدفاع السابق والمرشح الحالي المعارض في الانتخابات المقبلة، بالتصريح التّالي:

من المعيب أن يتحوّل شرب فنجان من القهوة يوم السبت إلى سجال سياسي وعصيان مدني في الشارع، على هؤلاء الأشاوس ان يحتفظوا بهذه الطاقة الفائضة لمحاربة حماس وحزب الله والحوثيين.

 كذلك قامت جماعات الدفاع عن العلمانيّة بإصدار بيان عن رغبتهم في مواصلة شرب القهوة في هذا المقهى كل يوم سبت تحديدا.

وفي المقلب الآخر من الكرة الأرضيّة، في الولايات المتّحدة الأميركية تحديدا، يبدو أن نبؤه الكاتب الأميركي «راي برادبوري» ستتحقق في أيّامنا، ففي رواية هذا الكاتب الشهيرة (فهرنهايت 1 5 4) يصفُ فيها برادبوري مجتمعا مستقبليّا تقوم فيه الحكومة بحرق الكتب وتلفها، كي لا يقرأها الناس، وبذلك تتمّ السيطرة على الجماهير من قبل الدولة الديكتاتوريّة العميقة والإمعان في تجهيل الشعب، وتاليا تطويعه والسيطرة عليه، بحسب أهواء الحاكم و مراميه. نقول صدقا  في سريرتنا ؛ أنّه على أيام الإتحاد السوفييتي السابق حيث كان القمع الفكري سائدا ، بيد أنه لم يمنع مفكرين كبار من التعبير عن آرائهم وها هو سولجنتسين أكبر مثال ، فقد  نجح في كسر الحصار وعبرت كتبه إلى القارات كلّها ، فعلا كان الصيت للرّوس ولكن الفعل هو للأمريكان ، حيث القمع الفكري لم يتوقّف منذ تأسيس هذا البلد خاصة أيام السيناتور في مجلس الشيوخ الامريكي جوزيف مكارثي الذي كان رئيس اللجنة الدائمة للتحقيقات في مجلس الشيوخ من سنة 1953 إلى سنة 1954 حين قاد حملته الشهيرة ضد الشيوعيين المزعومين في الحكومة والجيش وارتبط إسم المكارثيّة بالأسلوب الجائر في الاتّهامات بدون أدلّة ومحاكمة المتهمين أيام الحرب الباردة.

وسبب تشبيه الوضع الحالي في أميركا والبلدان الخاضعة لها برواية برادبوري هو أنه في الأسابيع القليلة الماضية، نشرت الصحافة العالمية مقالات عديدة تحكي عن شركات الذكاء الاصطناعي، التي تقوم بتطوير نماذج لغويّة عملاقة، هذه الشركات أمريكية المنشأ بكل تفاصيلها وقد طلبت من شركات كنديّة أن تقوم بعمليات شراء كتب نادرة لحسابها بالملايين، وفي كل أنحاء العالم.

تستند هذه الشركات لإنجاز هذه المهمّة على شراء كميّات هائلة من الكتب كي تستخدمها في نسخ محتواها، وبعد ذلك تقوم بتلفها خاصة القديمة منها والنادرة بواسطة فرّامات ورق عملاقة، فلا تبقى النسخ الأصليّة كما يجب أن يحصل عادة من أجل المحافظة على التراث الفكري والأدبي.

 تعتبر هذه الشركات القرصانة أن أفضل بيانات مفيدة لتدريب الذكاء الاصطناعي في العالم، موجودة على رفوف المكتبات القديمة، وأن الكتب الورقيّة لم تتلوّث بعد بالمحتوى الرديء الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي الذي انتشر بالفعل على نطاق واسع في أيامنا عبر الإنترنت وحتى في بعض الكتب الحديثة التي ألفها كتّاب جدد.

بالطبع هناك حديث عن كتب أخذت في الصدور وهي من إنتاج الذكاء الاصطناعي، ولكن من يقرأ الآن بجديّة في عصر الوجبات السريعة التي تتدفّق من معين السوشيال ميديا وهذيان الفضاء الرقمي!

خلاصة الأمر وزبدة الموضوع هو التالي:

 ليس صعبا علينا أن ندرك ما هو الهدف؛ الهدف بكلّ بساطة هو تجهيل الناس في كلّ مكان والسيطرة على منابع المعرفة والتحكم بها والعبث بمحتواها، وجعل البشر يتحرّكون بالغريزة والتعصّب وبذلك يفقدون إنسانيتهم تمهيدا لإشعال حروب قبليّة دينيّة في كل بقعة من بقاع الأرض، وبذلك تنفذ كل محاولات التقدّم التي جهدت الإنسانية طوال عصور لتحققها! صدقوني سيأتي نهار يصدر كتاب يقرأه مؤلفه فيجد أن له عنوانا مختلفا واسم الكاتب مختلف أيضا، خلقه الذكاء الاصطناعي وهو في الحقيقة كتابه هو، فيسقط أرضا وقد توقف قلبه عن النبض جرّاء الصدمة التي سببها القهر واليأس!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *