في مضامين «اتفاق الإطار» وبنوده السرية – ماذا يخبئ؟

فارس بدر

– الاتفاق الثلاثي ألمُسمّى ب «إتفاق الإطار» بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة الأميركية ، كغيره من الاتفاقيات التي تعكس موازين القوى العسكرية والسياسية على أرض الواقع.

لبنان بعيداً عن المحيط القومي، يدفع ثمناً غالياً لهذا الإتفاق، ويعرّض أمنه العسكري والاجتماعي والاقتصادي لأفدح المخاطر، كما أنّه يعطي إسرائيل حريّة الحركة والتدخّل بشكل يخدم أهدافها ومصالحها المرحليّة والإستراتيجية.

في التفاصيل:

جاء في مقدمة الإتفاق ما حرفيّتُه: « تؤكد حكومتا إسرائيل ولبنان، وبدعم كامل من الولايات المتحدة، هدفهما المشترك في تحقيق سلام وأمن دائمين».

فإذا كان ذلك يعكس رغبة لبنان منذ تأسيسه في العام 1943، فإن ذلك يتناقض مع الكيان الإسرائيلي وأطماعه المعلنة في المنطقة منذ تأسيسه في العام 1948. ولقد أثبتت التجارب أنّ الانتهاكات الدورية لسيادة لبنان وأمنه قد أتت من الجانب الإسرائيلي في حقبات مختلفة، ولا تزال حتى تاريخ كتابة هذه السطور.

في البند الثاني من الإتفاق « تفكيك البنية التحتية، على أن تعيد القوات الإسرائيلية انتشارها تدريجياً خارج الأراضي اللبنانية وتُفصّل هذا العملية في الملحق الأمني».

تفكيك البنية التحتية بالمفهوم الإسرائيلي، يعني تجريد أهالي الجنوب من أي قدرات في مواجهة اعتداءات متكررة اعتادوا عليها منذ الثمانينات من القرن الماضي ولا زالوا يعانون من نتائجها وأهوالها وفظائعها حتى تاريخه، وذلك في غياب شبه كامل لقدرات الجيش اللبناني في مواجهتها لأسباب متعارف عليها.

في البند الثالث تحت عنوان «المناطق التجريبية» وجاء فيه: «تتولّى القوات المسلحة اللبنانية تدريجياً المسؤولية الكاملة في مناطق تجريبية، ويعلن الجانب الإسرائيلي في هذا السياق، أنّه لا يملك أطماعاً إقليمية في لبنان».

إنّ هكذا نصّ، يتعامى بالكامل عن تاريخ الحركة الصهيونية وأهدافها منذ إعلان تيودور هرتزل عام 1897 في كتابه « الدولة اليهودية » وحدودها من الفرات إلى النيل، والذي أكدته كافة مؤتمرات الحركة الصهيونية اللاحقة، كذلك تلك الخريطة التي عرضها مجرم الحرب بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة والتي تشمل لبنان وكامل المحيط القومي تحت عنوان: « الشرق الأوسط الجديد». في هذا السياق يأتي إعلان إسرائيل بأنّها «لا تملك أطماعاً إقليمية في لبنان» متناقضاً مع تاريخها ووثائقها ومؤتمراتها ومشروعها المعلن في إنشاء «دولة إسرائيل الكبرى».

ورد في البند الرابع ما يلي: «إعادة بناء احتكار الدولة اللبنانية لإستخدام القوّة، وتحقيق نزع سلاح كامل من الجماعات المسلحة».

للتذكير فقط للذين تخونهم الذاكرة، أنّ إسرائيل اجتاحت لبنان في مطلع الثمانينات ووصلت حتى العاصمة بيروت وارتكبت المجازر بحق اللبنانيين والفلسطينيين في صبرا وشاتيلا دون أن يتمكن الجيش اللبناني من مواجهتها لأسباب ذات علاقة بمحدودية قدراته العسكرية واللوجستية….. وبعد ذلك فقط بدأ الجنوبيون بالتفكير في كيفية حماية أرواحهم وأرزاقهم ومصيرهم من الانتهاكات المتعمّدة لقراهم ومناطقهم والبحث عن مصادر الدعم والصمود في مواجهات مفتوحة ومتوقّعة على مدار الساعة.

في البند الخامس، جاء ما يلي:

« تؤكد الحكومة الإسرائيلية أنّ عملياتها العسكرية في لبنان مرتبطة بالهجمات والتهديدات والنوايا العدائية للجماعات المسلحة».

السؤال البديهي: أين كانت هذه الجماعات المسلحة عام 1948 وما قبلها؟؟؟ كان هناك فقط منظمات الأراغون والهاغانا وشتيرن الصهيونية بقيادة مناحيم بيغن وغولدا مئير وأمثالهم، في الوقت الذي كانت فيه الأطراف الفلسطينية مجرّدة من الحدّ الأدنى للدفاع عن نفسها وأرضها.

وأين كان أهالي الجنوب عند الغزوات البربرية الصهيونية لديارهم في الأمس القريب واليوم وحتى تاريخه، حيث تُدمّر قرى بالكامل وتختفي معالمها عن الخريطة في عمليات عسكرية يومية تطال البنى التحتية والفوقية من مدارس وعيادات ومستوصفات ومستشفيات إلى ما هنالك من أساليب قمع وقصف واغتيالات تُستخدم فيها أحدث التقنيات العسكرية وأكثرها تطوّرا،

ورد في البند السادس ما يلي :« تؤكد الحكومة اللبنانية أنّ قواتها الأمنية والعسكرية، هي صاحبة المسؤولية الحصرية عن أمن لبنان ودفاعه».

بماذا ستنفّذ الحكومة هذا الوعد؟؟؟ بجيشها الذي يقبض رواتبه من المساعدات الأميركية؟؟ أم بالقدرات العسكرية التي تقع تحت إشراف الغرب الأوروبي والولايات ألمتحدة؟؟؟ والذي لن يسمح للجيش اللبناني بامتلاك أي سلاح حتى في سبيل الدفاع عن النفس. 

في وضع من هذا النوع ومخاطر يوميّة بهذا الحجم، وأمام هذا المشهد. ماذا تبقّى من خيارات أمام الجنوبيين كي يبقوا ويصمدوا في أرضهم ويدافعوا عن حقّهم في الحياة والعيش الكريم؟؟؟

في اعتقادي. لو توفّر للجنوبيين من يدافع عن أرضهم وعرضهم وممتلكاتهم ومستقبل أبنائهم لما لجأوا إلى السلاح ولا توسّلوا العون من أحد، أيّاً كأن هذا الأحد.

ورد في البند الثالث عشر وتحت عنوان إجراءات حسن النيّة ما يلي:

« يتعهّد الطرفان باتخاذ خطوات تدلّ على حسن النيّة، ومنها وقف الأعمال العدائية أو السلبية في المحافل السياسية والقانونية والدولية».

هذا الأمر يعني أنّه يُمنع على لبنان الاحتكام إلى المحافل الدولية مثل الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي ومحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية عندما يتعرّض «الإتفاق الإطار» إلى أي انتهاكات، هذا الأمر الذي تمارسه إسرائيل على مدار الساعة في الجنوب اللبناني وطيرانها ومسيرتها اللواتي لا ينقطعْنَ عن التحليق فوق بيروت والبقاع والهرمل وكافة المناطق اللبنانية. 

يبقى أنّ الملحق الأمني « لاتفاق الإطار » والذي لم يعلن عنه حتى تاريخه وربّما لن يْعلن عنه، يخفي في طيّاته الشروط الإسرائيلية لمستقبل العلاقة بين لبنان وإسرائيل، خاصةً وأنّ التسريبات التي قامت بها بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية، تحمل الكثير من التساؤلات والتخمينات حول الجدول الزمني للانسحاب وحول الشروط المجحفة بحق سيادة لبنان على كامل أرضه والعودة إلى رسم حدود اتفاقية الهدنة للعام 1949. 

ختاماً، لا يخفى على أحد في هذا السياق أنّ جلوس الأطراف المتنازعة حول طاولة المفاوضات لا يعكس مزاج المتحاورين وقدراتهم الشخصية على التفاوض …. بل يعكس ميزان القوى العسكري والسياسي على الأرض والذي بدوره يتحكّم بالشروط ويرسم المعادلات.

هذا الميزان كما يعلم الجميع مختلّ لمصلحة التحالف الأميركي/ الإسرائيلي بحيث جاءت الشروط الإملائية لتعكس هذا الخلل الذي ستكون نتائجه كارثية على لبنان والمنطقة بشكل عام حتى يأتي ذلك اليوم الذي يدرك فيه الجميع أنّ التنسيق والتحالف بين دول المحيط القومي أوّلاً وامتداداته العربية ثانياً وحده القادر على إحداث التغيير المطلوب في ميزان القوى وإلى رسم معادلة جديدة للأمن القومي والإقليمي على مساحة المنطقة بكاملها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *