إبراهيم مهنا ـ الحلقة الأولى
مع انتهاء العام السادس من المرحلة الثانية من مراحل التطبيع العربية «الإسرائيلية».
بات المشهد واضح المعالم. ولا يستدعي الكثير من الجهد لربطه بمقدماته التاريخية وإعادة صياغة سياقه. وخطورة هذه المرحلة انها انتجت نموذجا جديدا متمايزا وواضح المعالم.
في النصف الثاني من العام 2020 وفي سنة واحدة، تم عقد 4 اتفاقات مع أربع دول عربية عرفت باسم الاتفاقات الابراهيمية: الإمارات العربية المتحدة 15 أيلول/ مملكة البحرين في 23تشرين الأول /السودان تشرين الأول/ والمغرب في كانون الأول. وفي نوفمبر 2025 أعلنت كازاخستان انضمامها رسميًا إلى الاتفاقات الابراهيمية، كانت هذه الاتفاقات هي الأكبر في تاريخ العلاقات، وضمت دولاً من المغرب العربي وأفريقيا وآسيا والخليج العربي.
أيضا وفي المرحلة الاولى بعد ثلاثة عقود من اعلان قيام كيان الاحتلال، تم عقد 3 اتفاقات: كامب دايفيد1979 مع مصر /أوسلو سبتمبر1993مع منظمة التحرير/ وادي عربة مع الأردن 26 أكتوبر 1994. كان التفاوض على مبدأ الأرض مقابل السلام/ مركزية القضية الفلسطينية/ إقامة دولة فلسطينية مستقلة / تطبيق القرارات الدولية/حل قضية اللاجئين. كان سلاما باردا اقتصر على الحكومات والترتيبات الأمنية، وفشلت «إسرائيل» في تحقيق تطبيع شعبي، وثقافي وروحي واقتصادي. وباستثناء التجارة والسياحة والغاز لم يحقق التطبيع ل«اسرائيل» مزايا كبيرة مع كل من مصر والأردن.
بالمقابل في النموذج الجديد حصل تحول نوعي. فقد تغير المبدأ على قاعدة السلام مقابل السلام، غابت القضية الفلسطينية/ لم تعد الدولة الفلسطينية غاية التفاوض وموضوعه/ غابت قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن/ لا ذكر للقدس باعتبارها عاصمة الدولة/ ولا ذكر لقضية اللاجئين. في هذه المرحلة تحول الاتفاق الى مقدس. تم دمج الدين بالسياسة وهنا مكمن الخطورة.
بعد اتفاقية أوسلو ومعاهدة وادي عربة عُقدت المؤتمرات الاقتصادية الشرق أوسطية فمن قمة الدار البيضاء سنة 1994 الى قمتي عمان 1995 والقاهرة 1996، حتى قمة الدوحة 1997. وترافقت مع اللقاءات الثقافية من غرناطة (1993) الى لقاء باريس (تموز 94)، ولقاء كوبنهاغن (كانون الثاني 1997). بدا أن الاقتصاد والثقافة في سلة واحدة.
لهذه المرحلة مقدمات تاريخية وسياق تطوري وتحضير وتخطيط، فإن رصد تحول المشهد الجيو سياسي والاستراتيجي مسألة ضرورية لفهم هذا السياق. فمن مبادرة السلام العربية 2002 التي قدمتها المملكة العربية السعودية في قمة بيروت في سنة 2002 ،الى الربيع العربي2011 الذي أعاد توزيع مراكز القوة بين الدول العربية لمصلحة دول الخليج وساهم في خلق ما يمكن أن نسميه «خلجنة» الشرق الأوسط، الى انقسام مجلس التعاون الخليجي 2017 عندما قطعت السعودية والإمارات والبحرين (مع مصر) علاقاتها الدبلوماسية وفرضت حصاراً على قطر واتهمتها بدعم جماعات متطرفة والتقرب من إيران، الى وثيقة الأخوة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش المشترك هي البيان المشترك الذي وقعه البابا فرانسيس من الكنيسة الكاثوليكية والشيخ أحمد الطيب الإمام الأكبر للأزهر 2021في أبو ظبي عاصمة الإمارات العربية المتحدة. الى صفقة القرن 2020 التي أُعلنها الرئيس السابق دونالد ترامب، وقوامها الاعتراف ب «إسرائيل»/ انهاء حالة الصراع/ تصفية القضية الفلسطينية/ الاندماج في منظومة «إسرائيل» الإقليمية/ التطبيع على كل المستويات والمجالات الأمنية والعسكرية والتجارية والاقتصاد، والاعتراف بالقدس عاصمة موحدة ل«إسرائيل» ضم كافة المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية للسيادة الإسرائيلية/ خضوع منطقة وادي الأردن للسيطرة الأمنية والسيادية الإسرائيلية/ اشتراط إقامة دولة فلسطينية بشروط صارمة ومقيدة تخلو من السيطرة العسكرية الكاملة والسيادة الحقيقي/. إنشاء صندوق استثمار دولي لدعم الاقتصاد الفلسطيني ودول المنطقة المجاورة. لكن هذه الصفقة فشلت بسبب رفضها العربي والفلسطيني.
بعد عام على توقيع الاتفاقيات امارات/البحرين، افتتح في أبو ظبي 16 شباط بغياب شيخ الأزهر، مشروع بيت العائلة الإبراهيميّة الذي يضم مسجدًا وكنيسة وكنيسًا في مبنى واحد، ليُقدَّم نموذجًا رمزيًا للتّعايش بين الأديان.
بعد توقيع الاتفاقات كان الهدف الواضح: توسيعها وحمايتها. فالعمل على ضم دول إضافية خاصة السعودية وإبرام اتفاق معها وهو هدف تسعى واشنطن إلى تحقيقه منذ سنوات.، لكنه تعثر. ومع تعثر هذا التوسع وأمام الصعوبات التي واجهها، بدأت تطرح صيغ بديلة، لتوسيع إطار التطبيع بأشكال متعددة منها: الانضمام الكامل، أو صفة مراقب، أو شراكة جزئية، وهي صيغ تعكس رغبة إسرائيلية في خفض السقف أمام دول يصعب عليها سياسيًا الانضمام الكامل في الوقت الراهن. وأيضا ضرورة حماية هذه الاتفاقيات فتحت عنوان تعزيز وتوسيع الاتفاقيات الإبراهيمية عقدت اللجنة الفرعية للسياسة الخارجية والإعلام الخارجي التابعة للكنيست الإسرائيلي جلستها رقم 88. وتكشف مداولات الجلسة أن «إسرائيل» لا تتعامل مع الاتفاقيات الإبراهيمية باعتبارها فصلًا دبلوماسيًا اكتمل منذ العام 2020، وإنما كمسار مفتوح يحتاج إلى تثبيت بعد الحرب وتوسيع عند توفر الظروف السياسية.
في الإطار نفسه، لا يمكن فهم ما يجري الا في وضع هذه الاتفاقات في سياقين: المشروع الأميركي للشرق الأوسط والمشروع الإسرائيلي للشرق الأوسط.
التطبيع ضمن الرؤية الأميركية:
فلو استعرضنا المبادرات منذ حرب الخليج الثانية 1990الى ما بعد احداث 11ايلول 2001واحتلال العراق 2003 الى طوفان الاقصى20023 الى ضرب ايران2026 نجد ثمة ثابت فيها.
من مبادرة روبرت بيلليترو 1995 مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى في عهد إدارة الرئيس بيل كلينتون الذي طرح رؤية رسمية في خطاب شهير أسماه عام الأمل /الى مبادرة الشراكة الأمريكية الشرق أوسطية (MEPI) في عام 2002 تأسست من قبل وزارة الخارجية الأمريكية /1995 الى مبادرة كولن باول في الشرق الأوسط 2002 والمعروفة رسمياً باسم الشراكة الأمريكية الشرق أوسطية: بناء الأمل لسنوات مقبلة/الى مبادرة منطقة التجارة الحرة الأمريكية الشرق أوسطية(U.S.–MEFTA) أعلن عنها الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن في مايو 2003 بهدف إقامة منطقة تجارة حرة تدريجية بين الولايات المتحدة ودول الشرق أوسط كبرنامج تابع لوزارة الخارجية الأمريكية الشرق أوسط الجديد كوندوليزا رايس خلال الحرب على لبنان عام 2006، حين وصفت الأحداث بأنها «مخاض ضروري لولادة شرق أوسط جديد/الى مبادرة» الشرق الأوسط الكبير” (BMENA) عام 2004: قُدمت خلال قمة مجموعة الثماني (G8) طرحته إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش ودول مجموعة الثماني “./الى مشروع الشرق الأوسط الإقليمي (MER أو ما يُعرف بمشاريع “الشرق الأوسط الجديد” أو الممرات الاقتصادية مثل الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا يقوم المشروع على ربط الهند بأوروبا عبر شبكة متكاملة من السكك الحديدية والموانئ وكابلات الطاقة والبيانات، تمر عبر الخليج العربي(IMEC) الى صفقة القرن: خطة السلام السابقة التي طرحت لتسوية القضية الفلسطينية عبر مشاريع اقتصادية واسعة ودعم استثماري بمشاركة إقليمية ودولية /الى مجموعة I2U2 تأسست في تشرين الأول/2021 عقدت قمتها الافتراضية الأولى في يوليو 2022 لإطلاق مبادرات مشتركة للتعاون الاقتصادي والتكنولوجي خلال اجتماع ضم وزراء خارجية الولايات المتحدة و«اسرائيل» والإمارات، بهدف متابعة تطبيق «اتفاقات أبراهام/ الى مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC) وهو مشروع استراتيجي يربط بين آسيا ومنطقة الخليج وأوروبا لتعزيز التنمية الاقتصادي. أُعلن عنه رسمياً في سبتمبر 2023 خلال قمة العشرين في نيودلهي/ الى استراتيجية ما بعد الحرب 2026 التي تعمل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على إعداد استراتيجية شاملة للشرق الأوسط لمرحلة ما بعد الحرب مع إيران: إنشاء اصطفاف إقليمي بين حلفاء الولايات المتحدة لاحتواء إيران، على أن تكون الولايات المتحدة ضامنا لهذا الترتيب/ بذل جهود منسقة لإنهاء التداعيات الإقليمية لهجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 من خلال تأمين المرحلة التالية من خطة ترامب بشأن غزة، والتوصل إلى اتفاق أمني بين إسرائيل وسوريا، وتنفيذ الاتفاق بين إسرائيل ولبنان/. توسيع اتفاقيات أبراهام والتوصل إلى اتفاق لتطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل.
واثناء توقيع الاتفاقيات في 15 سبتمبر/ أيلول 2020، ردّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وصهره جاريد كوشنر عبارة الشرق الأوسط الجديد» في وصفهما للمشهد الذي سيتشكّل إثر توقيع هذه الاتفاقيات
والملفت ان البيت الأبيض كان راعي لكل الاتفاقات: كامب دافيد (كارتر)/ أوسلو ووادي عربة (كلينتون)/ الامارات الأردن السودان المغرب (ترامب) وهذا يدلل على أهمية «إسرائيل» في السياسة الاميركية.


