كريم خان رئيس المحكمة الجنائية ضحية ادانته المجازر في الأراضي المحتلة

«إن أردت أن تقتل رجلاً فأطلق عليه إشاعة»، هذا القول ينطبق على المدعي العام لـلمحكمة الجنائية الدولية كريم خان الذي عُزل رسمياً من مهامه في 24 تموز 2026 في جلسة طارئة بمقر الأمم المتحدة في نيويورك بعد تصويت مغلق لجمعية الدول الأطراف. التهمة «إخلال خطير بالواجبات وسوء سلوك وظيفي على خلفية مزاعم بإقامة علاقة غير لائقة مع موظفة مبتدئة». وترتبط هذه التهمة بمزاعم تحرش جنسي واستغلال السلطة ضد إحدى مساعداته، وهي اتهامات نفاها خان ومحاموه، ووصفوا قرار عزله بالمسيس، وانتقدوا عدم منحه فرصة كاملة للدفاع عن نفسه.

تولى البريطاني كريم خان منصب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية في 16 حزيران 2021، ومعه لم تكن الإقالة وليدة الساعة، بل بدأت في أواخر عام 2024 حين بدأ التحقيق معه، ففي تشرين الثاني 2024، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية (في عهده)، مذكرتي توقيف بحق رئيس حكومة العدو «الاسرائيلي» بنيامين نتنياهو ووزير حربه السابق يواف غالانت، بتهمتي ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة. وكان خان قد دفع باتجاه التحقيق في الانتهاكات المرتبطة بحرب الإبادة الجماعية «الإسرائيلية» في غزة، إلى جانب إصدار المحكمة مذكرتي توقيف بحق نتنياهو وبحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وفي الشهر التالي مباشرة، ظهرت إلى العلن الاتهامات بحق خان، وتتعلق بأحداث مزعومة وقعت خلال العام نفسه. إلا أن لجنة من القضاة شكلتها المحكمة نفسها لم تتوصل إلى نتائج تثبت ارتكابه سوء سلوك خطيراً.

في أيار 2025 تمت تنحية كريم خان مؤقتاً، وفي حزيران 2026 تم تعليق مهامه رسمياً. وتطلبت الإقالة تصويت جمعية الدول الأطراف على القرار الذي حاز على أغلبية 82 صوتاً من أصل 125 دولة وسط ضغوط سياسية مرتبطة بمذكرات التوقيف التي أصدرها ضد المسؤولين الإسرائيليين. وهنا كان من الطبيعي أن ترحب «إسرائيل» بالقرار، ساعية لاستغلاله للطعن في مذكرات التوقيف الصادرة بحق رئيس حكومتها ووزير دفاعها السابق.

من هنا يبدو أن الولايات المتحدة ماضية في تقويض عمل المؤسسات الدولية لا سيما المحكمة الجنائية الدولية، مما يثير مخاوف مراقبين حذروا من أن تؤثر هذه الأزمة سلباً على استقلالية هذه المحكمة وحيادها تحت وطأة الاستقطاب السياسي العالمي. وما يعزز الضغط الأميركي في هذه المسألة ما ذُكر في وسائل الإعلام بأن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أعاد في وقت سابق إطلاق حملة ضد المحكمة. كما يأتي عزل خان في أعقاب إعلان الولايات المتحدة أنها ستشن حملة دبلوماسية جديدة لتفكيك المحكمة ‌‌الجنائية الدولية، التي تقول إنها تشكل تهديدا لسيادتها. وكانت الولايات المتحدة، التي ليست عضوا في المحكمة، قد فرضت عقوبات على 11 قاضياً ومسؤولاً في الادعاء العام بالمحكمة، من بينهم كريم خان، على خلفية إصدار المحكمة مذكرتي اعتقال بحق نتنياهو وغالانت. وعلى خط موازٍ كثّف وزير الخارجية «الاسرائيلي» جدعون ساعر والبعثات الدبلوماسية «الإسرائيلية» حول العالم مؤخراً اتصالاتهم لحشد أكبر عدد ممكن من الدول للتصويت لصالح عزل كريم خان، أو على الأقل الامتناع عن التصويت.

إلا أن عزل خان برأي المراقبين لا يغير وضع التحقيقات بشأن فلسطين، لكنه يثير قلقاً حيال توجه المحكمة مستقبلاً. فالمدعي العام المقبل وفق هؤلاء المراقبين سيدرك أنه عرضة للعزل، إذ أن اتخاذه خطوات تزعج الدول القوية، يمكن أن يعرضه بدوره لخطر العزل.

وبحسب رأيهم «في القانون لا يلغي عزل المدعي العام تلقائياً مذكرات الاعتقال أو التحقيقات القائمة، إذ يبقى سحبها من صلاحية قضاة المحكمة وحدهم». وبالتالي فأن الوضع في فلسطين يمثل اختباراً حاسماً لشرعية المحكمة. إضافة إلى ذلك فإن اللجنة القضائية المستقلة، التي نظرت في الادعاءات بحق خان، لم تجد أساساً قانونياً كافياً يثبت وجود أدلة تتجاوز مستوى الشك في ارتكابه سوء استخدام للسلطة، وبالتالي فإن مذكرتي توقيف نتنياهو وغالانت «لا تزالان ساريتين».

من هنا فإن قرار عزل خان «لا يمكن فصله عن جهود سياسية غير مسبوقة تهدف إلى تقويض عمل المحكمة وتعطيله». وفي هذا الإطار وصفت الدكتورة هايدي ماثيوز، عضو هيئة التدريس في كلية الحقوق بجامعة يورك الكندية، عزل خان بأنه «أخطر أزمة مؤسسية» تواجه المحكمة الجنائية الدولية خلال تاريخها منذ تأسيسها عام 2002. وبالتالي أصبح كريم خان أول مدعٍ عام للمحكمة يُعزل من منصبه.

الجدير ذكره أن فلسطين انضمت عام 2015 إلى نظام روما الأساسي المؤسس للمحكمة، ما منح المحكمة اختصاصاً بالنظر في الجرائم المرتكبة في الأراضي الفلسطينية، بصرف النظر عن جنسية المتهمين، في وقت لا تعد الولايات المتحدة و«إسرائيل» عضوين في المحكمة.

والأسئلة المطروحة اليوم هي هل نحن أمام محاولات أوسع للمساس بالنظام القانوني الدولي، وهل نحن على أبواب القضاء على كل المنظمات الدولية؟ وفق ما أعلن أستاذ القانون الدولي والمدعي العام السابق في المحكمة جيفري نايس، فإن قرار عزل كريم خان سيترك تداعيات سلبية على المحكمة الجنائية الدولية ويقوض دورها في منظومة العدالة الدولية، وأن القضية لا تقتصر على الجانب الشخصي المتعلق بكريم خان، بل تمتد إلى تأثيرها على المحكمة الجنائية الدولية نفسها، معتبراً أن عزل المدعي العام سيضر بالمؤسسة التي تضطلع، بحسب وصفه، بدور أساسي في ملاحقة الجرائم الدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *