غزو سبتة

تنتمي منطقة سبتة ( وكذلك مليلية) للبر المغربي، وهي بمعاني الجغرافيا السياسية كلها، جزء من التراب المغربي، تسيطر عليها إسبانيا بحكم اتفاقات الاستقلال، أي أنها جزء من الدولة الإسبانية، بموجب العقد الاجتماعي مع السكان، أو بموجب الضرورات الاستراتيجية، لاتفاقات القوي والأضعف في سياقات الاستقلالات الوطنية، التي استثمرت في جميع الشعارات المتاحة، إلا شعارات التنمية التي تتضمن تنمية المواطنة عبر عقد اجتماعي واضح وعلاني، وبقيت سبتة ومليلية في الإطار الإداري الإسباني، دون أن يبذل أحد جهداً مجدياً لإعادتها إلى التراب المغربي، ربما جاء ذلك بإعتبارهما منطقتان ناجيتان من الانتماء الإداري/ التنموي إلى العالم العربي الغارق في غيبوبيات الغيبيات والدكتاتوريات، التي أودت إلى الحروب الأهلية الحالية والمستمرة إلى ما شاء الله، هذه الحروب التي أودت الى موجات الهجرة إلى الغرب تحديدا، حملين معهم إستعلائهم الأخلاقي، الذي يبرر تحويل فعل الهجرة إلى فعل غزو، لتصحيح مسار التحضر الغربي، وجعله أرقى أخلاقياً، ولكن المغرب تحديداً لا يعاني من حرب أهليه وتصدير، موجات متتابعة من الهجرة إلى الغرب يعبر عن المأزق التحضري الذي تعاني منه بلدان العالم العربي، والمقصود هنا التحضر الحقوقي حصراً، الذي ينفجر تخريباً في لحظة حصوله على حقوق إنسانية، أعلى من القمع والتعذيب والتسلط، والزائر إلى أوربا يلمس تماماً وبكثرة الانفجار التخريبي المقصود، لمجرد مروره في أي شارع أوربي، وهذا لا يعفي من الإشارة إلى إنفجارات تخريبية متعددة الجنسيات، ولكن الاستعلاء الأخلاقي هو الميزة الأولى لمهاجري العالم العربي، وهذا لا يبعدنا عن لب الحدث في سبتة، مئة ألف وأكثر يحاولون معاً العبور إلى سبتة الإسبانية، مع أنها بإعترافهم جميعاً أنها مغربية ترابا وتاريخا، ولكن ليس تحضرياً بالمعنى الحقوقي/ التنموي، حيث كشفت هذه الغزوة بالذات، كل المستور حول مبررات أمواج الهجرة، إنها أزمة التحضر الحقوقي لدى سكان العالم العربي.

المشكلة الكبرى التي تواجه الدول المستقبلة لغزوات اللاجئين، أنهم غير مستعدين للاندماج، وعلى الأغلب لا يستطيعون لو أرادوا، متجاوزين كل دروس الاستعمار الذي عانوا منه طويلاً، المستعمر لا يندمج مع مستقبليه لأنه وببساطة يعاني من الاستعلاء عليهم أولاً وابتزاز ثرواتهم ثانياً، وهذا ينطبق على سبتة أيضاً على الرغم من أنها أرض مغربية وسكانها مغاربة، حيث تنتفي مصلحتهم في استعادتها، إذا عليها أن تبقى إسبانية  كسبب لغزوها، وهنا تظهر مشكلة سبتة التي سوف تحولها إلى محطة انطلاق نحو البر الأوربي.

اليوم بدأت الأمم الأوربية تلمس نوايا اللجوء الخبيئة، فمجموع الأداءات اللجوئية، أدت إلى تشريعات حقوقية تنظم الهجرة، خصوصاً أن التسامح مع اللاجئين، أظهر أن الأوربيين مجموعة هبلان يمكن استغلالهم واستغباهم والضحك عليهم، دون القبول بالاندماج كفعل من أنبل الأفعال الاجتماعية الإنسانية، وهكذا سوّد اللاجئون صفحاتهم، على الرغم من الكثيرين منهم كانوا مثالاً للتطور والنجاح والإنسانية، ولكن الجزئية السالبة تلغي الكلية الموجبة، مثل سيطرة عصابة أطفال لا يطالها القانون أثناء توزيع المخدرات في شارع، سوف يصبغ كل جالية هذه العصابة بصبغة الجريمة، فكيف إذا كان الموضوع واضحاً وملاحظاً ومؤذياً ومخرباً للاجتماع؟

تتشكى معظم الاجتماعات المصدرة للاجئين، من فوز اليمن الأوربي (تدعوه اليمين المتطرف وكأن لا حق للمجتمع بالانتخاب) الذي يريد مقاومة عوامل الانهيار المجتمعية من خلال قوانين تحاصر العبث بالقوانين المتساهلة مع الميوعة الحقوقية التي يتميز بها اللاجئون والمهاجرون غير النظاميين، حماية لمجتمعاتها، حيث مطلبها الأساسي هو الاندماج الحقوقي والمسؤولية الاجتماعية، ولك هذا لا يناسب المستعلون أخلاقياً، محولين المسائل إلى حروب أهلية ابتزازية، تحت شعارات مثل حقوق التعبير والاعتقاد والحريات الفردية، التي تتحول إلى تصرفات احتيالية وعنفية ولامبالاتيه، وتكفي جلسة واحدة مع لاجئ عربي حتى يشرح لك بمنتهى الغبطة ممارساتهم «الذكية»، دون أن يحسب حساباً أن الأمور سوف تنقلب عليهم، ولو بطريقة تحضرية مثل فوز اليمين «المتطرف» في انتخابات وطنية حرة.

سبتة اليوم مثال، للفارق التحضري المغري، وعلى الرغم من هذه النظرة الواقعية التي يمكن أن تتهم بالتسرع، ولكن المواطن الأوربي الذي يعتدي عليه رافضي الاندماج من حقه أن يتذمر وأن يصوت لصالح اليمين حتى لو كان متطرفاً، فالمجتمع بمعناه الحديث مجتمع جاهز للتطور، إلى الأمام ، أما أن يتراجع للخلف فالمسألة فيها نظر ….. فالحقوق المجتمعية ليست قابلة للتمييع، وإلا أصبح المجتمع برمته قابلاً للفناء. فللأصحاب المجتمعات حقوق تسبق حقوق اللاجئين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *