أدّى سقوط الدولة السورية بنظامها «الأسدي» إلى تفجير الخلاف بين الأقليات حول هوية الدولة المنشودة، فبرز اتجاه قويّ لدى الأقليات يدعو للتخلي عن تسمية «الجمهورية العربية السورية»، باعتبار أن «الدولة السورية» تضم جماعات طائفية ومذهبية وإثنية متعددة ليست عربية، على عكس ما كرّست الأيديولوجيا «البعثية»، التي حكمت البلاد خلال أكثر من ستين سنة الأخيرة، وقد تركت البلاد في حالة يرثى لها من الانقسام العمودي والأفقي، وأعادت من جديد مصطلح «المسألة الشرقية» إلى واجهة الحدث السوري.
إرث المِلَل وصمة عار
تعيد «المسألة الشرقية»، في كل مرة تواجه المشرق العربي معضلة، صوغ أسئلة الهوية ومدى ارتباطها بمسألة المواطنة، وتحديد نقاط ضعفها وقوتها؟
منذ برزت المسألة الشرقية في العلاقات الدولية للمرة الأولى مطلع القرن التاسع عشر، وعُرفت على نحو عام نتيجة لانهيار الإمبراطورية العثمانية، شكّلت الأقليات عنوانها الأبرز، والمراد تبديل الخرائط وتغيير أسماء المساحات الجغرافية.
ويُفسَّر أيُّ نقاشٍ حول الأقليات في المشرق العربي فورًا في ضوء التاريخ الطويل للسياسة العثمانية تجاه الأقليات، والمعروفة بنظام المِلّة. في الواقع، جادل العديد من المُعلّقين بأنّ مصطلح «الأقلية» في العالم العربي هو ببساطة البديل العلماني الحديث لمصطلح «المِلّة»، وبالتالي تُفترَض حقوق الأقليات بأنها مطالبات «مِلّة جديدة»…. وحافظت القوى الاستعمارية الأوروبية التي حلّت محلّ العثمانيين في نهاية الحرب العالمية الأولى على الإطار الأساسي للسياسة العثمانية، وفي ظل نظام الملل.
ولكن إرث المِلل ليس موردًا بنّاءً يُبنى عليه، بل وصمة عار تُثقل كاهل مطالب الأقليات. ورغم أنّ المِلل كانت مُثيرة للإعجاب كمخطط تاريخي للتسامح، إلا أنها اتسمت أيضًا بعدد من السمات المُقلقة. إن نظام الملل ـ وفكرته القرآنية الأساسية عن أهل الذِّمّة ـ يرتكز على افتراض أن الدولة ملك حصري للمسلمين/ المحمّديين، الذين يقدّمون بعد ذلك الحماية والتسامح للمجموعات التابعة والخاضعة. نتيجةً لذلك، يُنظر إلى وضع الذمّي على أنه وضع من الدرجة الثانية ـ ما يُطلق عليه النقاد «الذمّية» ـ بناءً على «رابطة الخضوع»، والتي تنعكس على سبيل المثال في القيود المفروضة على حجم الكنائس، وفي القواعد غير المتكافئة بشأن التحوّل «يمكن للمسلمين التبشير بين المسيحيين، ولكن ليس العكس؛ فالمسلمون الذين يتحوّلون إلى المسيحية يفقدون ممتلكاتهم» (مرجع سابق: حسن عاصي)
تتسم قضية الأقليات (العرقية والدينية والمذهبية واللغوية) بصورة عامة بدرجة عالية من الحساسية، وينظر لها رغم أهميتها على أنها مسألة خطيرة، لذلك فإن مقاربة هذا الموضوع الشائك يحتاج الكثير من الدقّة والرويّة والموضوعية والانضباط المنهجي، وخصوصًا في ظلّ المرحلة الحالية التي تشهد عولمة اقتصادية وتوحّش الرأسمالية الصناعية التي حولت أربعة أخماس سكان الكون إلى مستهلكين يلهثون خلف توفير مقومات الحياة التي حدّدت أنماطها ديكتاتورية الأسواق العالمية، أو حيث تتمتع الليبرالية الجديدة والاستبداد بروابط نظرية قوية، كما يتضح من السرد النيو ليبرالي حول ضرورة وجود دولة قوية، قادرة على إعادة تشكيل المجتمع وفق أسس السوق، بذريعة تحقيق الديمقراطية في المجتمعات الناشئة، وتحت شعارات حقوق الإنسان بشكل عام، وحقوق الأقليات بشكل خاص. لذا نرى أن رسم خريطة المشهد الذي تعيشه الأقليات في المشرق العربي (سورية الطبيعية)، ليس سهلاً، وتحليل الوضع المعاصر الذي تواجهه هذه الأقليات أمر بالغ التعقيد، والنماذج أو الأساليب المتاحة لإدارة التنوّع تحتاج مناهج مختلفة لإدارة الاختلاف.
بل إن العناصر المتشابكة والتعقيدات التاريخية في مسألة الأقليات تعتبر واحدة من أهم الصعوبات أمام أي باحث يتناول موضوعات هوية المجتمع بالدراسة والتحليل، ويضعه أمام تحديات وخيارات دقيقة، فإما أن تكون مع الليبرالية الجديدة في الدفاع عن حقوق الإنسان بشكل عام، وحقوق الأقليات بشكل خاص، وإما أن تكون في مواجهة التحديات، وأن تكون ضد إعادة ترتيب المجتمعات البشرية بما يتوافق مع المفاهيم الجديدة التي ينتجها الاقتصاد العابر للقارات، وبذلك قد تجد نفسك متّهمًا بتجاهل حقوق الأقليات والتفريط بها، أو التوجّس منها في الحدّ الأدنى.
ولكن السؤال: كيف سيفهم المواطنون العلاقة بين الخطابين العالمي والمحلّي حول التنوّع العرقي في المشرق العربي؟
لطالما مثّلت «الأغلبية والأقلية» مجالات تنافس متنازع عليها على السلطة والقيادة الإقليمية في دول سورية الطبيعية، بدلاً من أن تكونا مصطلحين لترسيخ مواطنة حقيقية وفعّالة قائمة على ضمان المساواة في الحقوق على المستويين الجماعي والفردي.
فالهلال الخصيب «كما كان» في مطلع القرن الماضي، لم يعد كما هو في عصرنا هذا. ليس فقط بسبب التراجع الحادّ في زخم التنوّع الإثنوــــ ديني ونسبه، ولا بسبب الانكماش المهول لنسبة المسيحيين في العراق وسوريا خلال مئة عام فقط، ولا بسبب ضمور معالم الكوزموبوليتية [المدائنية] التي كانت تسم العيش والتصرف والتنقل بين الموصل وحلب ودمشق وبيروت وحيفا والقدس وبغداد والبصرة فقط، بل لأن الكارثة الإيكولوجية الكبرى التي تحلّ بالمنطقة باتت واقعًا لا يُمكن فصله عن أيّ حديث سياسي أو جيوسياسي. (راجع وسام سعادة في «الكارثة الإيكولوجية الحضارية المستبدّة بسوريا والمهدّدة للبنان» موقع أوان ـ 17/7/2025)
أسئلة شائكة
الواقع أن في المشرق السوريّ عنصريات إثنية ودينية وتجاهل هذا الواقع لا يزيل الحقيقة، بل يؤدّي إلى اختبارات مؤلمة. وكثيرًا ما يُقال إننا نعيش في عصر «سياسات الهوية» أو «سياسات الاعتراف»، حيث من المرجّح أن تطالب الأقليات بأشكال من الاعتراف الرسمي والتسهيلات، مثل الحقوق اللغوية، والاستقلال الثقافي أو الديني، والحكم الذاتي الإقليمي، أو زيادة التمثيل السياسي. ولعل من أهم نتائج الاضطرابات في المشرق العربي بعد الاحتلال الأميركي للعراق والحراك الشعبي في الجمهورية العربية السورية الذي سرعان ما التقطه الإخوان المسلمون والجماعات التكفيرية، من أهم نتائج ذلك تنامي ظاهرة (صراع الهويات) الذي اتخذ وما زال طابعًا عرقيًّا طائفيًّا تعبويًّا بدائيًّا دمويًّا! وفي خضمّ صراع الهويات (داخل وبين الدول) برزت قضية (الأقليات) كقضية مركزية ستؤثر مآلاتها على تركيبة الدول التي كانت قائمة.
ففي مجتمع يتكوّن من «هويّة مركزيّة» وأخرى «طرفيّة هامشيّة»، يكون البقاء على «الهامش والطرف» شرطًا متخيّلاً مُهيمنًا لتحقيق «الهويّة الذاتيّة» وتحقّق «الذات» الفارقة عن الآخر، الحافظة لـ «الأصل» الممتدّ الذي تستمدّ «الهويّة الفرعيّة الهامشيّة» مكوّناتها منه.
وحين يحاول أحد أفراد الجماعة ذات «الهويّة الطرفيّة الهامشيّة» الاندماج مع «الهويّة المركزيّة» (كما في محاولات دمج «قسد» في هيكلة ومؤسسة الدولة السورية الراهنة برئاسة أحمد الشرع)، فينتقل من «الأطراف» إلى «المركز»، فإنّه يواجَه بتحديات من فئتين: جماعته التي تركها في الأطراف، والجماعة ذات الهويّة المركزيّة.
أمّا من جماعته التي بقيت في الأطراف رافضًة الاندماج فإنّها تبدأ بالضغط على هذا «المرتحل» من «الأطراف» إلى «المركز» كي يعبّر عن «هويّته الطرفيّة الهامشيّة» علنًا وبوضوح، وإلّا فإنّ الخزي والعار سيلحقه، ثمّ «النفي» عن «الهويّة الطرفيّة الهامشيّة».
في السياق الأكاديمي، يُعد مصطلح «الأقليات» مفهومًا متعدّد الأبعاد يُتناول في مجالات مختلفة، لا سيما العلوم السياسية، والقانون، وعلم الاجتماع، والأنثروبولوجيا. يُعرّف التعريف السياسي «الأقلية» بأنها مجموعة أو فئة من المواطنين في بلد معين يختلفون عن الأغلبية من حيث الجنس أو اللغة أو الدين. يُبرز هذا التعريف البعد السياسي، مُلقيًا الضوء على اختلافات الهوية داخل البلد وما ينتج عنها من تحديات تتعلق بالانتماء والمواطنة والتمثيل.
هناك أسئلة كبرى ما زالت عالقة- وهي بطبيعة الحال شائكة- عن طبيعة علاقة (الأقليات) بدولها السيادية الأمّ، ومآل هذه العلاقة تتفاوت بين المطالبات حول مصير (الأقليات) بين الاعتراف بها كأمم سيادية ناجزة الاستقلال وبين المطالبة بإعادة اندماجها الوطني الحقيقي وضمان إشراكها البنيوي بصلب قضايا الدولة وفق صيغ حكم وإدارة يُتّفق عليها، ففي جميع الأحوال لم يعد مقبولاً بنظر نخب وجماهير (الأقليات) الحديث عن حقوق ثقافية أو مدنية متجزئة، بل المطلوب إمّا الاستقلال أو إعادة الاندماج الوطني الشامل. الاستقلال قضية جِدّ شائكة ومرتبطة بعوامل لا حصر لها، والاندماج قضية إشكالية لم تهتدِ إلى اليوم لصيغ حكم عادلة ومقبولة تفي بمتطلبات الواقع وترسم أفقًا جديدًا يُنهي هذه الإشكالية، وبقاء الوضع على ما هو عليه ليس بصالح أحد وينذر باحتماليات خطيرة.
في الواقع، جادل العديد من المُعلّقين بأنّ مصطلح «الأقلية» في المشرق العربي هو ببساطة البديل العلماني الحديث لمصطلح «المِلّة»، وبالتالي تُفترَض حقوق الأقليات بأنها مطالبات «مِلّة جديدة». لذا، لفهم مقاومة حقوق الأقليات، علينا أن نفهم الآراء المُتناقضة بشأن نظام المِلّة.
وعند مقارنتها بالحروب الدينية بين الأشقّاء التي اجتاحت أوروبا طوال معظم التاريخ الممتدّ لخمسمائة عام، يُنظر إلى نظام الملل العثماني على نطاق واسع، بأنه مثالٌ رائع على التسامح الديني والتعايش. وقد جادل بعض المعلّقين بأنّ هذا التقليد يُوفر أساسًا راسخًا وواضحًا للأفكار المعاصرة حول حقوق الأقليات والسكان الأصليين.
بقدر ما تُفسَّر مطالب الأقليات على أنها مطالب بالحفاظ على نظامٍ شبيهٍ بنظام الملة أو إعادة تأسيسه، يُنظر إليها على نطاقٍ واسع في العالم العربي على أنها تتعارض مع المفاهيم الحديثة للمواطنة المتساوية، والوحدة الوطنية، والمساءلة الديمقراطية. وقد أكّدت كلٌّ من الأمم المتحدة والهيئات الإقليمية، مثل مجلس أوروبا، على وجوب اعتبار الأقليات مواطنين كاملي الحقوق في الدولة، وأن حقوق الأقليات مُصمَّمةٌ لتسهيل مساهمتهم في المجتمع، وأن حقوق الأقليات نفسها يجب أن تمتثل للمبادئ الأساسية للمساواة بين الجنسين، والمساءلة الديمقراطية، والحرية الشخصية. ولكن الأمر القرآني بوجوب محاربة الأقليات حتى «تُذل» (سورة التوبة: 29) «يمثّل بداية فكرة أن غير المسلمين/ المحمديين ـ حتى لو استُبعدوا من المجتمع الإسلامي/ المحمدي ونُظِّموا في مجموعات منفصلة ـ يمكن ربطهم بالأمة برباط الخضوع».
ذمّي محمي، ولكنه خاضع ومعزول، كما حاول «مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية الذي يترأسه سعد الدين إبراهيم، الباحث والأكاديمي المصري الذي يحمل الجنسية الأميركية، وقد اتهم سعد بتنفيذ مخطط أميركي لإثارة الفتن الطائفية وإثارة النزعات العرقية الانفصالية وتقسيم المنطقة إلى دويلات». ولكن المفهوم الحديث للأمم المتحدة للأقلية لا ينطوي على أي معنى للعزلة أو الخضوع، ومن الواضح أن عشرات الأقليات والشعوب الأصلية حول العالم التي تلجأ إلى هذه المعايير الدولية لا تعتبر نفسها متنازلة عن الجنسية لصالح أهل الذمة. ومع ذلك، تظل الملل الصورة الأبرز للوضع السياسي للأقليات في المنطقة. ونتيجة لذلك، لا ترتبط سياسات الأقليات بالتمكين والمشاركة والمساهمة، بل بالضعف القانوني والتهميش السياسي والدونية الاجتماعية. (مرجع سابق: حسن عاصي في«التعدُّدية الثقافيَّة والتصنيف الثلاثي للأقليَّات في العالم العربي»)

