من فرانكا فيولا إلى بتول علوش: حرية المجتمع تبدأ من حرية المرأة

في القرن الحادي والعشرين، وبعد أن قطع الإنسان شوطًا طويلًا في مسيرة التطور التقني، وترسيخ القانون، وتعزيز حقوق الإنسان والحريات، وهي مسيرةٌ دفعت البشرية ثمنها من الألم والمعاناة بقدر ما حملته من الطموح والإبداع والأمل، يجد المجتمع السوري نفسه، ولا سيما في الشام في ظل انهيار الدولة ومؤسساتها في مناطق واسعة، يسير في الاتجاه المعاكس، متقهقرًا على نحوٍ خطير نحو الجهل والتجهيل والعنف والانحطاط على مختلف المستويات.

ولعلّ المرأة السورية هي أكثر من يدفع ثمن هذا التراجع اليوم. ففي كثير من المناطق، لم تعد تُعامَل بوصفها إنسانًا كامل الحقوق، بل غدت، في نظر بعض الجماعات، غنيمةً أو سبيةً، تُقتلع من بيئتها وثقافتها بالخطف والإكراه، لتجد نفسها أسيرة فكرٍ اختار الارتداد إلى البدائية، والانحدار إلى الغرائزية والعنف، بدل الانتماء إلى قيم الحضارة والإنسانية.

وعلى مرّ التاريخ، ومن بين آلاف الضحايا، تبرز دائماً أرواحٌ تحمل قضاياها لتدقَّ أجراس الخطر، وتدفع المجتمع المتهاون أو المضلَّل إلى الصحوة وإدراك حجم الخطر المتنامي. فمن اليافعة الإيطالية فرانكا فيولا إلى الشابة السورية بتول علوش، ترتفع صرخةٌ واحدة تقول: كفى! صرخةٌ تسهم في وضع حدٍّ للأذى الذي تتعرض له بنات جنسها وسط غفلة المجتمع أو ضعفه.

فمن هي فرانكا فيولا؟ وما قصة بتول علوش؟

في عام 1965 برزت قضية اختطاف واغتصاب هزّت المجتمع الإيطالي ونبَّهت وعيه، لتنتهي بتغيير قانونٍ جائر كان يكرِّم المغتصِب، بل ويشجعه على ارتكاب فعلته لتحقيق رغبته رغم إرادة الضحية وحقها في اختيار حياتها، ويحوِّلها إلى ضحيةٍ للذل والانكسار مدى الحياة.

وبالطبع، لم تكن فرانكا أولى الفتيات اللواتي تعرّضن للاختطاف، لكنها كانت أول فتاة ترفض رفضاً قاطعاً الزواج من خاطفها، في مجتمعٍ كان يخيِّر الضحية المختطفة أو المغتصبة بين خيارين: إما الزواج قانونياً من الجاني، فيسقط عنه العقاب، وإما أن تنال نصيبها من الذل والعار الاجتماعي اللذين كانا سيلاحقانها بقية حياتها.

كان موقف فرانكا، ذات السبعة عشر ربيعاً، حاسماً ومتحدياً للمحكمة والمجتمع بأكمله، حتى إنها رفعت دعوى قضائية ضد مغتصبها. وعلى الرغم مما تعرضت له هي وأسرتها من أذى بسبب موقفها، بدأ كثيرون يدركون ما أرادت أن تقوله، وارتفعت أصوات المؤيدين لها، حتى انتهت القضية بالحكم على مغتصبها بالسجن أحد عشر عاماً، ثم بإسقاط القانون الذي كان يعفي المغتصب من العقاب بمجرد زواجه من ضحيته، وهو قانون لم يكن سوى تشجيعٍ لأمثاله على ارتكاب جرائمهم بضمانة القانون وتواطؤ المجتمع.

وبعد نحو ثلاث سنوات، تزوجت فرانكا صديق طفولتها الذي أحبها إنسانةً ولم يوصمها بالعار، فعاشت حياتها كما أرادتها هي، لا كما أرادها خاطفها الذي اختطفها واغتصبها لإجبارها على الزواج منه مستنداً إلى قانونٍ جائر. وكان  أبرز ما منحها القوة موقف والدها، الذي ساند رفضها الزواج من أحد أفراد المافيا، ثم أيّد تمردها على قانونٍ أراد أن يكافئ الجاني ويشجعه على جريمته.

ولم تكن قيمة موقف فرانكا في أنها أنقذت نفسها فحسب، بل في أنها حوّلت قضيةً شخصية إلى قضية رأي عام، فأيقظت ضمير المجتمع الإيطالي، وأسهمت في إطلاق مسارٍ طويل انتهى بإلغاء قانونٍ كان يحمي الجاني ويضاعف مأساة الضحية. وهكذا، لم تعد فرانكا مجرد فتاة رفضت الخضوع، بل غدت رمزاً لانتصار الكرامة الإنسانية على الظلم، ودليلاً على أن شجاعة فردٍ واحد قد تكون الشرارة التي تغيّر وعياً مجتمعياً بأكمله.

وكم تتشابه قصتها مع قصة الفتاة بتول علوش، ابنة الساحل السوري، التي اختُطفت من حرم المدينة الجامعية في اللاذقية، واقتُلعت من حضن أسرتها الآمن، لتجد نفسها في دارٍ غير مرخصة تُدعى «دار الأخوات»، يديرها أشخاص يطلقون على أنفسهم صفة المشايخ، فلا تستطيع الإفلات منها، ولا حتى الحديث إلا بما يُملى عليها قسراً، تحت وطأة الترهيب والتهديد بما يمس سلامة أهلها.

وقد امتشق أهلها سيف المواجهة منذ الأيام الأولى لاختطافها، وطالبوا بابنتهم بشجاعة، متحدّين الروايات التي ادّعت أنها ذهبت بإرادتها، وأن خاطفيها يحمونها من عقاب أهلها. وهم الذين ألزموها بزيٍّ لا يشبهها، وبفكرٍ ظلامي لا يلامس روحها البريئة، المؤمنة بالفطرة لا بالإكراه، وبالقلب لا بظاهر اللباس ومنمّق الكلام.

وعلى عكس فرانكا، قد لا تكون بتول اليوم قادرةً على البوح بما تريد، لأنها لا تزال أسيرة خاطفيها، الذين ألزموها زواجاً أمام المحكمة في غياب ذويها، مع ملاحقتهم وتهديدهم، ربما خشية أن تنفجر قضيتها أكثر في وجوههم. لكن صرختها المدوية قرعت الناقوس، فأيقظت ضمائر كثيرين، وألهمت أهلها الشجاعة والمواجهة، في زمنٍ لا يجرؤ فيه كثير من الضحايا وذويهم في سورية على إعلان ألمهم.

لقد أضاءت قضية بتول علوش على وكرٍ مظلمٍ مستحدث يُسمّى «دار الأخوات»، يعمل بعيداً عن أي رقابة أو مساءلة، ويُتهم بخطف الفتيات من بيئاتهن المنفتحة نسبياً، ليظهرن بعد ذلك بزيٍّ مختلف، ويتحدثن عن الهداية والشرع والهجرة، من دون أدنى دليل على أنهن يتمتعن بالحرية الكاملة في التعبير عن إرادتهن.

لم تكن فرانكا، كما لم تكن بتول، أول من تعرض للخطف وانتهاك الحقوق، لكن قضيتهما أفرزت وعياً فارقاً في ضمير المجتمع. فكما تحرك المجتمع الإيطالي في قضية فرانكا، وعمل سنواتٍ حتى أسقط القانون الذي كان يعفي المغتصب من العقاب، ارتفعت أيضاً أصوات كثيرة من السوريين، في الداخل والخارج، لتقول: كفى! فهذا ليس ديناً من ينتزع الفتيات بالقوة أو بالترغيب والترهيب من أسرهن، ويفكك المجتمع، ويشجع الانحلال الأخلاقي، بمنح أصحاب النزعات الغريزية ذرائع يعبثون من خلالها بحياة الناس، ويدمرون استقرار الأسر تحت مسمياتٍ واهية، في ظل غياب شبه كامل للرقابة والمساءلة.

إن روح بتول وروح فرانكا من الأرواح التي تحمل معها رياح التغيير، فتتحمل عناء الرسالة، لكنها تترك أثراً عميقاً في ضمير مجتمعها والعالم، الذي هو بأمسّ الحاجة إلى أمثالها وإلى شجاعتها. وها قد وصلت قضية بتول علوش، بشجاعة أهلها، وبمتابعة المحامية القديرة الأستاذة بشرى خليل، إلى المحافل القانونية الدولية بصورة رسمية.

إننا نؤمن بانتصار الحق والحقيقة، ونؤمن بأن حرية المجتمع الحقيقية تبدأ من حرية المرأة، كما أن عبوديته وتبعيته تبدآن من عبوديتها وتبعيتها.

منال الجبر /دمشق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *