بعد أن تحدّثنا عن الوعي، والتربية، والأخلاق، والثقافة، والحرية والواجب، نصل إلى السؤال الذي يحوّل هذه القيم كلّها إلى واقعٍ حيّ: كيف تُبنى النهضة عمليًّا؟
كان أنطون سعاده يرى أنّ النهضة لا تقوم بالأمنيات ولا بالشعارات، بل بالعمل المنتج والعطاء الصادق. فالأمم لا ترتقي بما تمتلكه من ثروات فحسب، بل بما تمتلكه من رجال ونساء يحوّلون الفكر إلى عمل، والواجب إلى إنتاج، والإيمان إلى إنجاز. وفي ندائه إلى الشعب السوري سنة 1940، خاطب الفلاح والتاجر والعامل والعالِم والصناعي، بوصفهم جميعًا من «المنصرفين عن الكلام إلى العمل المنتج، الذي به رفاه الشعب وخير الأمة.»[1]
ولهذا لم يجعل العمل وسيلةً لكسب الرزق فقط، بل رسالةً اجتماعية تتحوّل فيها المبادئ إلى حياة، وتنتقل بها الأمة من الضعف إلى القوة. فالإنسان لا يحقّق ذاته بالكسل أو الاتكال، وإنما بما ينجزه ويبدعه، وبما يضيفه إلى حياة مجتمعه.
العمل قيمة اجتماعية
لم يكن سعاده ينظر إلى العمل على أنّه شأن فردي يخصّ صاحبه وحده، بل وظيفة اجتماعية تتصل بحياة الأمة كلّها. فالعمل لا يخلق الثروة وحدها، بل يرسّخ الانتماء، ويجعل الإنسان شريكًا في نهضة أمته، مرتبطًا بغيره من أبناء مجتمعه في حياة، واحدة ومصير واحد.
ولا ينحصر الإنتاج في الصناعة والزراعة؛ فالطبيب، والمهندس، والمعلّم، والمزارع، والعامل، والفنان، والباحث، جميعهم يؤدّون، كلٌّ من موقعه واختصاصه، مهمّةً واحدة هي خدمة المجتمع. فالعالِم ينتج معرفةً، والمعلّم يبني عقولًا، والفنان يرتقي بالذوق والوجدان، كما ينتج العامل والمزارع والصناعي الثروة المادية. وهكذا يصبح العمل كلَّ نشاط مسؤول يضيف إلى المجتمع قوةً أو معرفةً أو جمالًا أو ثروة.
لا نجاح فرديًّا من دون نجاح قومي
ميّز سعاده بوضوح بين النجاح الفردي والنجاح القومي، فكتب: «إنّ طبيعة النجاح القومي تختلف كل الاختلاف عن طبيعة النجاح الفردي.»[2]
ولا يعني هذا رفض الطموح الشخصي أو التقليل من قيمة الاجتهاد، بل رفض تحوّل النجاح الفردي إلى غاية منفصلة عن المجتمع. فإذا انصرف كل فرد إلى مصلحته الخاصة، ضعف المجتمع، وأصبح نجاح الأفراد نفسه مهدّدًا. فالمجتمع القوي يؤمّن شروط النجاح لأبنائه، بينما لا يستطيع نجاح بعض الأفراد، مهما عظم، أن يعوّض ضعف المجتمع أو انحطاطه.
أمّا حين يرتبط النجاح الشخصي بالنجاح القومي، فإنّه يتحوّل إلى قوة ترفع المجتمع، وتفتح أمام الجميع آفاقًا أوسع للتقدّم.
العطاء مقياس الإيمان
لم يكن العمل، في نظر سعاده، نشاطًا منتجًا فحسب، بل عطاءً يعبّر عن صدق الانتماء. وقد عبّر عن ذلك ببلاغة عندما انتقد الذين يبذلون الأموال طلبًا للوجاهة أو التملّق، بينما يبخلون بها على نهضة أمتهم، فقال:
«ليس هذا الوقت وقت السؤال: إذا مشيتُ أنا فمن يمشي معي؟»[3]
وأضاف: «كلُّ من مشى في الحق قبل أن يمشي الكل صار قدوةً ومعلماً.»[4]
فالإنسان الذي يحب أمته لا يقف متفرّجًا على آلامها، بل يسهم في نهضتها بما يملك من علم، أو جهد أو وقت أو إنتاج أو تضحية. والعطاء لا يقتصر على المال، بل يشمل الفكرة الصادقة، والكلمة المسؤولة، والعمل المتقن، والعلم الذي ننقله، والوقت الذي نبذله في خدمة الآخرين.
وكان سعاده يرفض عقلية الأخذ من دون عطاء، لأنها تضعف المجتمع وتقتل روح المسؤولية. ولذلك حذّر من: «الأنانيات الحقيرة التي تريد أن تأخذ ولا تعطي.»[5] وهذه الفكرة نفسها حضرت بقوة في محاضرته «التفكير العملي والإصلاح الاجتماعي»، حين وضع المصلحة العامة في مواجهة الأنانية التي تحصر التعليم والمهنة والنجاح في المنفعة الشخصية، وانتهى إلى العبارة البليغة: «ليس للآخذ كرامة المعطي.»[6]
فالعطاء الحقيقي لا ينتظر أن يبدأ الآخرون، ولا يبحث عن مقابل أو مديح، بل ينطلق من الشعور بالواجب. فالنهضة تبدأ بمن يبادر، لا بمن ينتظر.
من التفكير إلى العمل
لا يبدأ العمل باليد وحدها، بل بالعقل والإرادة. ولذلك دعا سعاده الشباب إلى تجاوز التفكير النظري الذي يكتفي بوصف المشكلات، والانتقال إلى التفكير العملي الذي يبحث عن وسائل معالجتها. وقد عرّفه بأنّه التفكير الذي يكون من ورائه «قصد وإرادة يدفعان صاحبهما إلى العمل»[7]، ثم قال:
»أول ما يجب أن نبدأ به هو أن نحوّل التفكير النظري، الذي لا يحقّق شيئًا بذاته، إلى تفكير عملي يدفعنا إلى العمل على تحقيق ما نؤمن به ونعتقد بصلاحه.«[8]
فليس المطلوب التقليل من شأن الفكر، بل إنقاذه من العقم. فالفكرة التي لا تتحوّل إلى مشروع، والمعرفة التي لا تستجيب لحاجات الحياة، تبقيان ناقصتين. ومن هنا يصبح العمل امتدادًا طبيعيًّا للوعي، والإنتاج ثمرةً للفكر المنظّم والإرادة الواعية.
العمل الذي يبقى
في كلمة ألقاها في مأتم السيدة إيوا شكور ثابت، ربط سعاده الخلود بالعمل، فقال:
«الخلود يكون بالعمل على استمرار الفضائل الباقية في جسم المجتمع… بالعمل في جرأة وعزم والتضحية وفعل الواجب القومي.»[9]
فالإنسان لا يُخلَّد بما يجمعه لنفسه، بل بما يتركه من أثر في حياة أمته. وهكذا يصبح العطاء صورةً من صور الخلود، لأن أثره يبقى حيًّا في الناس والأجيال بعد رحيل صاحبه.
وقد لخّص سعاده هذه النظرة بقوله «إن النكبة الحقيقية ليست في موت الإنسان، بل في أن يحيا «وكأنه ميت»، فلا يتحسّس حاجات محيطه، ولا يشعر بما يضر قومه وما ينفعهم، ولا يدرك أن عليه واجبات نحو أمته ووطنه.»[10] فالإنسان الحي حقًّا هو الإنسان الفاعل، الذي يمنح حياته قيمةً تتجاوز وجوده الفردي، وتسهم في استمرار الفضائل والقيم في جسم المجتمع.
رسالة إلى شباب اليوم
في زمن أصبح النجاح يُقاس غالبًا بالشهرة أو الثروة أو عدد المتابعين، يقدّم سعاده مقياسًا مختلفًا: قيمة الإنسان ليست فيما يملكه، بل فيما يقدّمه.
والشباب الذين يمتلكون العلم والإرادة وروحية العمل يستطيعون أن يحوّلوا مجتمعهم إلى ورشة بناء، وأن يفتحوا أمام أمتهم آفاقًا جديدة من التقدّم والإبداع. أمّا إذا استسلموا للكسل والاتكال، أو اكتفوا بانتظار الفرص التي يصنعها غيرهم، فإنّ المجتمع كلّه يدفع ثمن هذا التراجع.
ولهذا تبقى رسالته إلى الشباب واضحة: اعملوا، وأبدعوا، وانجحوا، ولكن لا تجعلوا نجاحكم غايةً شخصية فحسب، بل قوةً ترفع مجتمعكم أيضًا. لا تكتفوا بما تأخذونه من أمتكم، بل اسألوا عمّا تستطيعون تقديمه لها من معرفة، وعمل وإنتاج وعطاء.
فالأمم لا يبنيها المتفرّجون، بل الرجال والنساء الذين يحوّلون إيمانهم إلى عمل، وعملهم إلى عطاء، وعطاءهم إلى نهضة.
[1] سورية والحرب الحاضرة نداء الزعيم إلى الشعب السوري 1/6/1940.
[2] “دروس قومية اجتماعية – النجاح الفردي والنجاح القومي”، الزوبعة، 1/8/1943.
[3] “الوطنية والأريحية في المغترب”، الزوبعة، 1/07/1943.
[4] المصدر نفسه.
[5] “خطاب الزعيم في مأدبة أبناء طرابلس”، 1939.
[6] “التفكير العملي والإصلاح الاجتماعي”، المجلة، 1 نيسان 1933.
[7] المصدر نفسه.
[8] المصدر نفسه.
[9] “كلمة الزعيم في مأتم والدة الرئيس نعمة ثابت”، النهضة، 11/2/1938.
[10] المصدر نفسه.

