نجيب نصير
«المجتمع معرفة والمعرفة قوة».. هذا ليس قولاً مأثوراً، ولا مثلاً من الأمثال الشعبية المتداولة، ولا هو اكتشاف عبقري يحتاج إلى مخابر وشهادات، هو عبارة عن بدهية تم تكثيفها بجملة واحدة، تلخص المهمات البشرية الواجبة على أي شعب، في أي زمان ومكان، إما لحسم مسائل أو قضية معلقة، أو لمجاراة الحياة في قالبها التنافسي، في مسألتي البقاء والاستمرار، المختلفتي المعنى، مع توحدهما بالهدف.
أجزم (وبعض الجزم إثم)، أنه لا ثقافة اجتماعية عربية، تمتلك علماً أو معرفةً بالذكاء الاصطناعي، القادم إلينا من مستقبل سوف نمر به لاحقاً شئنا أم أبينا، وبالتالي يصبح التحضير له من واجباتنا الإنسانية على الأقل، حتى لا نقع مرة أخرى في حفرة الفارق العلمي ومن ثم المعرفي، «على حين غرة»، وممارسة الذكاء الاصطناعي من الشؤون الاستراتيجية للمواطن الفرد بعلاقته مع مجتمع حديث حصراً، وممارسته تختلف تماماً عن استخدامه، فالاستخدام لوحده هو حالة استهلاكية تنتظر بجوع إلى المنتج المعرفي اللاحق، وهو انتظار فجائعي يشبه تماماً انتظار الشخص المقيد لإلقامه بعض الطعام، كي يستطيع مواصلة الانتظار. كما أن الممارسة هي غير اتخاذ موقف من هذا الذكاء، بما قد يؤدي إلى رفضه (رفض العولمة مثالاً) أو قبوله، فالمعرفة على عدالتها المرتبطة بالمساواة، تصبح عارية عن كل حقد وعكسه، أو مؤامرة وعكسها، تقدم الحقيقة ككائن متطور يومياً، ولكنها لا تتردد في إطلاق أحكامها يومياً، على المقصرين بممارستها، ومع هذا تنبههم مسبقاً من الويل الناتج عن الدخول بين مسنناتها، والمياه تكذب الغطاس كما يقول المثل الشعبي، فمن استطاع إلى المعرفة سبيلا، ينجو، ومن استهلك طاقاته وإمكانياته، في مسائل جانبية تؤدي إلى تأجيل المواجهة وسقط بين مسننات الأزمة المعرفية البدائية، (ماء كهرباء تضخم إلخ)، كهزائم بحاجة إلى المعرفة لاحتمالها وتحملها، وهنا يكمن السؤال الميؤوس من الإجابة عليه عربياً، وهو آن الأوان لممارسة العلم والمعلومات كمعرفة، أم أن الموضوع مؤجل، حتى تحسم الأيديولوجيات رأيها بهذا الموضوع، بحيث تصبح الأيديولوجيا نفسها معيقة للعلم فما بالنا بالمعرفة؟!.
اليوم… يواجه العالم معضلة الذكاء الاصطناعي، كتطور للعلم لا هوادة فيه، ولا مداورة أو مخابثة، أو تهور، أو مجاملة، أو مواربة، أو اختلاط تفسير، أو انحياز تأكيدي أو غيره من أنواع الانحيازيات، فكما علم الإنسان أن الأرض كروية، عرف كيف يمارس المعرفة على هذا الأساس، وهذا تغيّر إيجابي في الثقافة الاجتماعية، إن كانت تنتمي إلى مجتمع، أم إلى سكانيات وطنية، يغرقها الإعلام بتمايزها الفريد عن الآخرين، والتواصل الرقمي منح ميزة العلم للجميع، ولكنه لم يمنح ميزة المعرفة للجميع فهذه طاقة ذاتية متراكمة من ممارسة المعرفة، والاجتماع نفسه (خصوصاً نخبه المتخلفة والتقدمية) ومن مواصفاته الذاتية، هو من يمنح هذ الطاقة المعرفية فعلها، انطلاقا من معرفته العلمية لذاته يتبعها بوعيه لحاجاته وطموحاته الدنيوية، وبفقدان هذه الطاقة، يتشعب الخلل، ليصبح أنواعاً عديدة، وربما لا متناهية، تقود إلى عصر حجري يتناسب مع الطاقات المعرفية في جهات الدنيا الأربعة، فبالنسبة لمجتمع حديث ومعاصر ودنيوي، يبعد بنفس المسافة لاجتماع بطاقات معرفية موؤدة، عن العصر الحجري المصنف تاريخياً، وهنا يفقد الاجتماع البشري قيمته وقيمه الإنسانية الكبرى، التي أدت «معرفتها» إلى استمرار البشرية، وتصبح حركة هذه الاجتماعات سالبة معرفياً، في عودة مشتهاة وغريزية إلى القوة الصلبة، مترافقة مع بدائية استهلاك منتجاتها، وهنا يكمن الخراب العميم، الذي يتلخص بالاطلاع على العلم والمعلومات، واستهلاكها بحالتها النيئة، دون المرور بمطبخ المعرفة، ليصبح القتل (مثالاً عن الترف المعرفي المتردي بالاستهلاك) وسيلة لتأكيد فشل المعرفة في اختراق الثقافة والعقل والإرادة، وفي حالة عصيان عنادي يشبه البارانويا، في مواجهة استحقاقات العلم، ليصبح قتل العلم، بالإضافة إلى كونه حالة رمزية للاعتلال المعرفي، هو أداة استباقية لمحاصرة المعرفة ووأدها، هذا ولما نبدأ بعد في البحث في ماهية المولود الجديد للعلم البشري، ألا وهو الذكاء الاصطناعي.
الأسئلة الصعبة هنا للاجتماعات العربية المتنوعة وثقافاتها المتشعبة، مثل هل سمعتم بالذكاء الاصطناعي ووقاحته في الحقيقة التي لديه؟ هل رأيتم في الذكاء الاصطناعي ما يتقاطع مع عيشكم الاجتماعي سوى الاستهلاك التكنولوجياتي من ناحية تسهيل العيش؟ هل لديكم خطط غير مؤدلجة لمواكبة هذا الذكاء إن كان من ناحية فهم نتاتج أفعاله وتأثيراته، أو من ناحية بنيته المعلوماتية؟ هل تستطيعون الاختفاء في حفرة أو نفق بعيداً عنه؟ أخيراً هل أنتم على استعداد لتقبل حقائقه، من ناحية تقييمه لكم، أو من ناحية الحلول مكان ثقافات قد اهترأت من كثرة الاستعمال الجائر لها؟ ربما تولد أسئلة أكثر ذكاءً واستراتيجيةً، في ظل المفاجآت المعرفية المتلاحقة، ما يحيل إلى سؤال المصير، وهو سؤال مرتبط بمقدرة الاجتماعات البشرية لتجاوز ثقافاتها عبر تطويرها، أم أن ليس بالإمكان أفضل مما كان؟


