سعاده ووحدة القوميين الاجتماعيين
د. ادمون ملحم
لم يجتمع القوميون الاجتماعيون حول سعاده ليؤسسوا حزبًا آخر يضاف إلى أحزاب السياسة، ولم تجمعهم مصلحة عابرة أو ظرف سياسي يتغير بتغير الأشخاص والأحوال. لقد جمعتهم قضية؛ قضية أمة وحياة ومصير، أرادها سعاده أن تكون في وجدان المؤمنين بها أكبر من الأشخاص والمواقع والخلافات، لأنها، كما قال، «تعني كل وجودنا». ولذلك لم يكن وجودهم معًا مسألة تنظيمية فحسب، بل كان تعاقدًا على قضية واحدة، وإيمانًا بمصير واحد، واستعدادًا لأن يقفوا معًا من أجلها.
وقد عبّر سعاده عن هذا المعنى بأوضح الكلمات في المحاضرة الأولى من المحاضرات العشر:
«إذا كانت لا توجد لنا قضية تعني كل وجودنا فلا حاجة بنا للقول بالحزب السوري القومي الاجتماعي. نحن في الحزب لأننا في قضية تجمعنا… من أجلها نقف معًا ونسقط كلنا معًا، والوقوف معًا والسقوط معًا في حركة قوية… يعني، بما لا يقبل الشك، أننا نؤمن بقضية أساسية جوهرية».[1]
من هنا تبدأ مسألة الوحدة عند سعاده. فنحن لا نقف معًا لأننا متفقون في كل رأي، ولا لأن الخلاف ممنوع، بل لأن هناك ما هو أكبر من خلافاتنا جميعًا: القضية التي جمعتنا والتي تعني كل وجودنا.
وفي خطاب صافيتا سنة 1936، عبّر عن المعنى نفسه بقوله:
«إننا قد تعاقدنا في الحزب السوري القومي على أن نقف معًا دائمًا، لأننا قد تعاهدنا على أن نرفع أمتنا إلى مصاف الأمم الحية».[2]
تعاقدنا أن نقف معًا. ليست العبارة شعارًا عاطفيًا، بل تختصر معنى الانتماء كما فهمه سعاده: تعاقد، وتعاهد، وسير معًا، من أجل قضية تتجاوز الأشخاص والمصالح والاعتبارات الآنية.
وفي خطابه في الشوف، يذهب أبعد من ذلك، فيصف الرابطة التي أنشأتها المبادئ بين القوميين بقوله:
«إنكم ارتبطتم بعضكم ببعض وربطتم أرواحكم بعضها ببعض لأنكم تعملون في سبيل المبادئ التي جمعتكم بعضكم إلى بعض. فابقوا منضمين متضامنين وكونوا عصبة واحدة أينما سرتم وكيفما توجهتم».[3]
«ربطتم أرواحكم بعضها ببعض» … تعبير يكشف عمق الوحدة التي أرادها سعاده. إنها ليست وحدة تنظيمية خارجية فحسب، بل وحدة تنشأ من الإيمان بالمبادئ ومن الشعور بأن قضية الأمة ومصلحتها فوق المصالح والأهواء الفردية.
عندما يصبح الخلاف امتحانًا
لم يكن سعاده يجهل أن القوميين قد يختلفون، ولا أن الحياة الحزبية يمكن أن تمر بأزمات وصراعات وظروف صعبة. لكنه كان يرى في تلك الظروف امتحانًا لحقيقة الإيمان والمناقب.
ففي خطاب الشوف نفسه، رأى أن الظروف الصعبة ستكون محكًا لمعرفة ما إذا كان القوميون في الحقيقة «مصلحة واحدة، هيئة اجتماعية واحدة، وإرادة واحدة»، أم أن في النفوس بقية من «أغراض صغيرة شخصية وأهواء نفعية» تتغلب على الأغراض العامة النبيلة.[4]
وهنا تكمن المسألة.
فالاختلاف في الرأي ليس هو الخطر، والنقد والاعتراض لا ينقضان الوحدة متى بقيا منطلقين من الحرص على القضية والمصلحة العامة. أما الخطر فيبدأ حين تتحول الاختلافات إلى خصومات، والخصومات إلى اصطفافات، والاصطفافات إلى ولاءات تتقدم على الولاء للقضية؛ وحين يصبح الانتصار للفئة أو للشخص أهم من الانتصار للمبادئ.
والوحدة التي دعا إليها سعاده لا تعني إلغاء الرأي، ولا السكوت عن الخطأ، ولا تعطيل المساءلة أو المؤسسات. إنها وحدة على أساس العقيدة والنظام والمصلحة القومية. فهو لم يقل للقوميين: ابقوا متضامنين لأنكم أصدقاء، بل قال: «لأنكم تعملون في سبيل المبادئ التي جمعتكم».
العودة إلى ما يجمعنا
ولعل في المحاضرة الأولى ما يساعدنا على فهم الطريق إلى هذه الوحدة. فقد حذّر سعاده من أن يتحول انتشار الحركة إلى انتشار «سطحي» يعرّضها «للميعان والتفسخ والتفكك»، ورأى أن مواجهة ذلك تكون بدراسة تعاليم النهضة وفهم أهداف الحركة وأسسها والقضايا التي تواجهها.[5]
فالوحدة، بهذا المعنى، لا تُبنى بالمناشدات وحدها، ولا بإخفاء الخلافات، بل بالعودة إلى العقيدة التي جمعت القوميين وإلى الوعي الصحيح بالقضية والغاية.
وقد لخّص سعاده معنى النهضة نفسها بأنها خروج «من التفسخ والتضارب والشك» إلى «الوضوح والجلاء والثقة واليقين والإيمان والعمل بإرادة واضحة وعزيمة صادقة».[6]
وهذه العودة إلى العقيدة لا تلغي النقد، بل تجعل النقد أكثر مسؤولية؛ لأن السؤال لا يعود: من ينتصر في الخلاف؟ بل: كيف تنتصر القضية؟
وفي خطاب الكورة قال سعاده:
«لا مهرب لنا من النجاح لأننا لا نمثل أغراضًا شخصية، بل في المصلحة العامة تذوب وتتحد كل إرادتنا».[7]
هنا يصبح معيار الموقف واضحًا: هل يخدم القضية أم يخدم الغضب؟ هل يسعى إلى الإصلاح أم إلى الغلبة؟ هل نريد أن تنتصر المبادئ أم أن ينتصر الفريق الذي ننتمي إليه؟
القضية أكبر منا جميعًا
قد تتعدد اليوم الأطر التنظيمية، وقد تتباين المواقف والاجتهادات، وقد تكون وراء بعضها خلافات عميقة ومتراكمة. ولكن شيئًا واحدًا لا يجوز أن يضيع وسط هذا كله: القضية التي جمعتنا.
لقد تعاقد القوميون الاجتماعيون من أجل أمة، لا من أجل أشخاص. وتعاقدوا على مبادئ، لا على مواقع ومصالح عابرة. وتعاقدوا ليكونوا قوة حياة، لا جماعات تتنازع داخل قضية واحدة.
واليوم، فيما مصير الأمة في خطر، وفلسطين تنزف، والجنوب يُدمَّر، وكيانات الأمة تعاني التمزق والاحتلال والصراعات والانقسامات، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل يجوز للقوميين الاجتماعيين، الذين تعاقدوا على قضية تعني كل وجودهم، أن يبددوا قوتهم في خلافاتهم وانقساماتهم؟
لقد قالها سعادة: «نحن في الحزب لأننا في قضية تجمعنا»، ومن أجلها «نقف معًا ونسقط كلنا معًا».
فليختلف القوميون في الرأي، وليعترضوا على الخطأ، وليحاسبوا ويصححوا ويتمسكوا بالعقيدة والنظام والمؤسسات، ولكن ليبقَ فوق كل اختلاف وعي القضية ووحدة الصف والإيمان بأن ما يجمعهم أكبر مما يفرقهم.
فالأمة اليوم أحوج ما تكون إلى قوتهم، والنهضة أحوج ما تكون إلى وحدتهم.
فاتحدوا، أيها القوميون الاجتماعيون.
[1] أنطون سعاده، المحاضرات العشر، المحاضرة الأولى، 7 كانون الثاني 1948.
[2] أنطون سعاده، «خطاب الزعيم في صافيتا»، كانون الأول 1936، منشور في الزوبعة، بوينس آيرس، العدد 40، 1 آذار 1942.
[3] أنطون سعاده، «خطاب الزعيم في الشوف»، 1937، نقلًا عن نشرة عمدة الإذاعة، بيروت، المجلد 3، العدد 7، 30 أيلول 1947، عن النشرة الإذاعية.
[4] المرجع نفسه.
[5] أنطون سعاده، المحاضرات العشر، المحاضرة الأولى، 7 كانون الثاني 1948.
[6] المرجع نفسه.
[7] أنطون سعاده، «خطاب الزعيم في الكورة»، صيف 1937، النهضة، بيروت، العدد 105، 1 آذار 1938.


