العراق: هل يكتمل مفهوم السيادة بعد انسحاب القوات الأمريكية

نظام مارديني

دخل العراق رسميًّا بعد 30 سبتمبر مرحلة أكثر حساسية في علاقته بين واشنطن وطهران؛ فالانسحاب الأميركي المباشر سيقلّل الوجود العسكري الأميركي داخل العراق، لكنه لا يعني انتهاء العلاقة بين بغداد وواشنطن، فمن الممكن أن تستمر أشكال أخرى من التعاون الأمني والاستخباري والدفاعي عبر ترتيبات ثنائية جديدة، وهو ما يجعل الانسحاب العسكري مختلفًا عن الانفصال السياسي والاستراتيجي.

لماذا كرس الاحتلال الفوضى؟

في 9 نيسان 2003 أعلنت القوات الأميركية بسط سيطرتها على معظم المناطق ونقلت وكالات الأنباء مشاهد الإطاحة بتمثال للرئيس العراقي صدام في وسط مدينة بغداد والتي تمّت بمساعدة من ناقلة دبابات.

ثم بدأت عمليات سلب و نهب واسعة النطاق في بغداد وبعض المدن الأخرى، وقد نقلت هذه العمليات للعالم كلّه عبر شاشات التلفزيون وقد قام الاحتلال الأميركي بوضع اليد على مباني وزارتي النفط والداخلية ومن ضمنها المخابرات العراقية، وبقيت المؤسسات الأخرى كالبنوك ومستودعات الأسلحة والمنشآت النووية والمستشفيات بدون أية حماية! وعزت قيادات الاحتلال الأميركي ذلك إلى عدم توفر العدد الكافي لجنودها لحماية المواقع الأخرى، كما تمّت سرقة آلاف الأطنان من الذخيرة الحربية من معسكرات الجيش العراقي، وهذا مما كان له تأثير كبير على الأوضاع السياسية في العراق بعد 9 نيسان 2003، حيث قدّم المادة الأساسية للعنف الداخلي فيما بعد.

إن ما حصل في العراق خلال اليوم الأول لدخول الاحتلال لمدينة بغداد من حالة نهب وسلب كان مدعاة للفوضى، وبالتالي لم يكن أمام الأهالي إلا حماية أنفسهم بأنفسهم بالوسائل الدفاعية المتاحة ابتداء بالمعاول والفؤوس وصولاً إلى الأسلحة والرشاشات التي انتشرت في العراق بشكل رهيب، فاللصوص لم يكتفوا بنهب الوزارات والمؤسسات والدوائر الحكومية فقط، بل تعدّوا على ممتلكات الأفراد كالمحال التجارية والمؤسسات الصغيرة مستغلّين غياب السلطة القانونية.

وبعد سنوات من العنف، وقعت بغداد وواشنطن اتفاقية الإطار الاستراتيجي عام 2008، وانسحبت القوات الأميركية من العراق عام 2011. غير أن ذلك الانسحاب لم ينهِ الجدل حول قدرة الدولة على إدارة الملف الأمني منفردة.

ذكريات الاحتلال المؤلمة

أنهى الاحتلال الأميركي وجوده العسكري للعراق أول مرة بنهاية عام 2011 نهائيًّا ثم عاد بطلب من الدولة العراقية بعد 3 سنوات بحجّة مواجهة تنظيم الدولة «داعش»، وها هو ينسحب للمرة الثانية بنهاية شهر سبتمبر/أيلول 2026، فهل سيتكرر طلب بغداد بعودته ثانية أيضًا بحجة تحرك الخلايا النائمة للإرهاب في العراق؟

غابت في انسحاب القوات الأميركية الصورة النمطية المتمثلة بتراصّ الدبابات وهي تخرج من بغداد أو مشهد لآلاف الجنود وهم يسيرون لمغادرة البلدات والمدن العراقية، كما هي العادة في الصورة التقليدية لانسحاب الجيوش.

كما تجنبت وزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون» إظهار أيّ صور لانسحاب القوات الأميركية بشكل يحيي ذكريات أليمة للانسحاب من سايغون في فيتنام عام 1975، وأفغانستان في 31 أغسطس 2021، وأظهرت مشاهد العملاء الفارين من مطار كابول في أغسطس 2021 فشلًا استراتيجيًّا عميقًا للاحتلال، وأثّرت سلبًا على صورة الولايات المتحدة الجديدة في حماية عملائها بعد هزيمتها المدوّية الأولى في فيتنام.

في هذا الواقع يبدو أن صناع القرار في العراق غير مهيّئين بعد لاستيعاب طبيعة التقاطع بين المصالح الاستراتيجية للدول الكبرى والفاعلين الإقليميين وطبيعة الأدوار الجيوسياسية والجي واقتصادية لهما في المنطقة، ولا زالت «القوى السياسية» في مرحلة ما قبل تشرين الأول 2023 وما تبعها من تطورات في غزة ولبنان وسوريا وأخيرًا العدوان الصهيو _أميركي على إيران غير مستوعبة للتحولات الكبيرة والخطيرة في المنطقة والعالم.

لقد تعامل الخطاب الرسمي العراقي مع 30 سبتمبر بوصفه لحظة استعادة للسيادة، وهو توصيف مفهوم من الناحية السياسية، لكنه لا يكفي من الناحية الاستراتيجية. فالسيادة ليست مجرد غياب القوات الأجنبية عن الأرض، وإنما هي قدرة الدولة على مواجهة المخاطر المحتملة التي ستفجّرها قوات الاحتلال بالتزامن مع انسحابها النهائي، خصوصًا وأن داعش لم يختفِ من المشهد الأمني، ولهذا فإن اليوم التالي للانسحاب سيكون، في الحقيقة، الاختبار الأصعب للدولة العراقية، لا خاتمة الاختبار في ظل وجود خلايا الإرهاب النائمة.

هل سيحيي الاحتلال «داعش»؟

ما يزال داعش يمتلك قدرة على الحركة والاختباء وتنفيذ عمليات في المناطق الريفية والجبلية والصحراوية، ولذلك فإن المسألة بعد الانسحاب ليست: هل عاد داعش؟ وإنما: هل تستطيع الدولة العراقية منع بقايا التنظيم من تحويل المناطق الهشة أمنيًّا إلى مساحات لإعادة بناء قدراته؟ ومن هنا قد تصبح كركوك ومناطق التماس أكثر أهمية؛ فالمناطق المتنازع عليها ليست مجرد جغرافيا أمنية، وإنما مساحة تتقاطع فيها مسؤوليات الجيش العراقي والبيشمركة الكردية، وتتعقد فيها مسألة التنسيق الأمني، وكل ضعف في التنسيق يمكن أن يتحول إلى ثغرة يستفيد منها التنظيم. لذلك فإن الانسحاب الأميركي وضع بغداد وأربيل أمام ضرورة الانتقال من التنسيق الظرفي إلى بناء منظومة أمنية مشتركة أكثر وضوحًا في المناطق التي تتداخل فيها المسؤوليات. ويبقى سؤال «كردستان» بعد الانسحاب سؤالاً عراقيًّا أيضًا: هل تستطيع بغداد أن توفر الحماية للمجال الجوي للإقليم كما توفرها لبقية العراق؟ وهل يمكن تحويل العلاقة الأمنية بين الجيش العراقي والبيشمركة من ترتيبات ظرفية إلى منظومة دفاع اتحادية حقيقية؟

وكانت كردستان العراق قد شهدت في 21 سبتمبر خطوة مؤسساتية مهمة تمثلت في الإعلان الرسمي عن توحيد قوات البيشمركة وإعادة تنظيمها تحت وزارة شؤون البيشمركة، بعد سنوات طويلة من وجود بنيتين عسكريتين مرتبطتين بالقوّتين السياسيتين الرئيسيتين في الإقليم.

ولهذا فإن انسحاب قوات الاحتلال يضع بغداد وأربيل أمام فرصة وامتحان في الوقت نفسه؛ الفرصة تتمثل في إعادة تعريف العلاقة الأمنية العراقية على أساس الدولة والمؤسسات، والامتحان يتمثل في قدرة الطرفين على بناء ترتيبات دفاعية مشتركة لا تجعل الإقليم منطقة أمنية منفصلة عن العراق، ولا تجعل بغداد تنظر إلى أمن الإقليم باعتباره ملفًّا ثانويًّا. وإذا كان المجال الجوي العراقي واحدًا دستوريًّا، فإن المسؤولية عن حمايته يجب أن تكون واحدة عمليًّا أيضًا.

وهذا هو الفارق بين الانسحاب والسيادة؛ الانسحاب قرار عسكري يمكن تحديد موعده وتنفيذه، أما السيادة فهي عملية مؤسساتية طويلة لا تبدأ وتنتهي بجدول زمني. فإذا خرجت القوات الأجنبية وبقيت القوة موزعة بين الدولة وفصائل «ولائية» متعددة، فإن الفراغ الذي يتركه الانسحاب لن يكون بالضرورة فراغًا جغرافيًّا، وإنما قد يتحول إلى فراغ في مركز القرار. ولا يعني ذلك أن العراق يدخل مرحلة خالية من القدرة العسكرية، فالقوات العراقية أثبتت خلال السنوات الأخيرة قدرتها على تنفيذ عمليات ضد بقايا داعش، بما في ذلك استخدام الطائرات العراقية من طراز F-16 في ضربات جوية استهدفت مخابئ للتنظيم في مناطق كركوك وصلاح الدين.

هناك حكمة صينية مفادها لا تركبوا في عربة واحدة، ويجب أن تتجسد هذه الحكمة عمليًّا في نزوع العراق إلى توظيف سياسته الخارجية من أجل تأمين مستلزمات الارتقاء بالداخل، وذلك عبر إقامة علاقات دولية متنوّعة وواسعة، وتوظيفها سيؤشر إلى إدراك عراقي في أن الألمعية السياسية والدبلوماسية تعدّ أيضًا طريقًا مهمًّا لاكتساب قوة التأثير الفاعل في القضايا الإقليمية والدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *