لا يمكن فهم ما تشهده بلادنا اليوم من تحولات سياسية واستراتيجية من خلال قراءة مجتزأة للأحداث، أو باعتبارها مجرد تنافس بين الدول على النفوذ والمصالح، لان ما يجري يتجاوز هذا المستوى بكثير، ويدخل في سياق مشروع يرمي الى اعادة تشكيل المنطقة سياسيا بما يخدم المصالح الأمريكانية، ويؤمن لها حضورا دائما من خلال انظمة سياسية تدين لها بالولاء وتتحرك ضمن حدود سياساتها. ومن هنا تصبح مسؤولية الوعي القومي مسؤولية اساسية، لان الخطر لا يكمن في المشروع الخارجي وحده، بل في استعداد بعض القوى الداخلية للاندماج فيه والتكيف مع اهدافه على حساب مصلحة الامة.
تحاول الولايات المتحدة الأمريكانية وحلفاؤها ارساء انظمة موالية لها تخدم مشاريعها في المنطقة، وتسعى الى تحصين وجودها عبر اقامة انظمة سياسية تابعة لها، ولا سيما في الكيانات التي كانت حتى وقت قريب خارج دائرة السياسة الأمريكانية. واليوم تعمل بصورة واضحة على تنفيذ هذا المخطط الاستعماري الأمريكاني الجديد في الشام ولبنان والعراق وفلسطين وغزة، مستفيدة من الانقسامات الداخلية ومن تراجع الوعي القومي، ومن تغليب المصالح الخاصة على المصلحة العامة.
ولو كان الامر يقتصر على شخصيات سياسية أو مالية أو طائفية فقدت وطنيتها وروحها القومية، لامكن للبعض ان يحاول ايجاد اعذار لها، وهي التي تخلت عن الصراع من اجل الحرية والاستقلال والسيادة، واختارت طريق الاستسلام سعيا وراء منافع الرأسمال الفردي أو مصالح الشرانق الطائفية البغيضة، فانخرطت في خدمة المشروع الأمريكاني. وربما يحاول هؤلاء تبرير موقفهم بالقول ان هذا المشروع أفضل من مشروع أجنبي آخر، فيقارنون بين المشروع الأمريكاني والمشروع الصيني مثلا، لا انطلاقا من مصلحة الامة، بل من زاوية ما يحقق مصالحهم الضيقة.
غير ان هذه المقاربة تسقط بمجرد النظر الى حقيقة الصراع في بلادنا، لان القضية ليست قضية مفاضلة بين مشاريع اقتصادية أو سياسية تتنافس على النفوذ، وليست ساحة تتبارى فيها الكتل الاقتصادية أو التكتلات الطائفية لإظهار حسن هذا المشروع أو قبح ذاك، بل هي قضية وجود امة ووحدة وطن وحق قومي، وهي قضايا لا تخضع لموازين الربح والخسارة ولا لمعايير المنفعة الفردية، لإنها تتعلق بوجود المجتمع نفسه وبحقه في الحياة والسيادة والحرية.
ونحن كشعب لا تزال حتى اليوم فكرة الامة غير واضحة على قواعد علمية دقيقة، ولا يزال العمل مستمرا لإيضاح هذه الفكرة وترسيخها في الوجدان العام، لان الامم لا تبنى على الانفعالات العابرة ولا على الروابط الطائفية والمالية، بل على حقيقة اجتماعية علمية تحدد هوية المجتمع ووحدة مصالحه ووطنه.
ومن هذا المنطلق اخذ القوميون الاجتماعيون على عاتقهم هذه المهمة بانتمائهم الى الحزب، ونشر الوعي، وتحديد الوطن السوري على قواعد الحقائق العلمية، وتأكيد حقيقة الامة السورية باعتبارها مجتمعا واحدا، وان مصلحة الامة السورية فوق كل مصلحة. فالوطن ملك عام لا يجوز لإفراد التصرف بأرضه تصرفا يؤدي الى الغاء فكرة الوطن الواحد أو يمس سلامة وحدته.
فالمجتمع الواحد لا تكون له الا هيئة اجتماعية واحدة، ولا يمكن ان تتحكم به هيئات متناقضة تقوم على العصبيات الطائفية أو المصالح المالية أو الانقسامات الكيانية. ومن هنا تختلف هذه المبادئ اختلافا جذريا عن مبادئ اصحاب الشركات السياسية والطائفية، الذين عملوا على تفكيك الامة الواحدة وتحويل المجتمع الواحد الى شرانق طائفية وكيانية ومالية، بل والى طبقات متنافرة، حتى أصبح الانتماء للطائفة أو للمصلحة الخاصة مقدما على الانتماء الى الامة.
ومن الطبيعي ان تكون النتيجة فقدان الشعور القومي والوجدان القومي، لان المجتمع الذي يفقد وحدته الفكرية يفقد معها قدرته على إدراك مصلحته القومية.
ومن هنا نعود الى النقطة التي انطلق منها هذا المقال، وهي ان النظر الى المشروع الأمريكاني في بلادنا لا يمكن ان يكون من باب المفاضلة بين مشاريع لعلاقات سياسية أو اقتصادية بين الدول، لان المشروع الأمريكاني في هذه المنطقة يرتكز على المشروع اليهودي، ولا يخفى على أحد ان غاية المشروع اليهودي هي اقامة “اسرائيل الكبرى” المزعومة، وهو مشروع لا يستهدف حدودا سياسية فحسب، بل يستهدف وجود الامة السورية نفسه، ويعمل على تفتيت وحدتها واضعاف كياناتها السياسية، حتى تصبح عاجزة عن الدفاع عن حقها القومي.
وعندما تبلغ القضية هذا المستوى، فإنها تخرج من دائرة الاختلاف في التقدير السياسي، لتصبح قضية تتعلق بالحق القومي والوجود القومي.
ومن هذا المنطلق، فان كل اتصال باليهود بقصد انهاء حالة الصراع مع المشروع اليهودي، تحت اي مسمى أو اي ذريعة، وكل اتصال ينافي الحق السوري في فلسطين والشام ولبنان وباقي كيانات الامة، هو خيانة للحق القومي، بل جريمة بحق الشعب السوري، لإنها تستهدف وجوده ووحدة وطنه ومستقبله، وعلى الشعب السوري الاقتصاص من المجرمين بالقصاص الذي يستحقونه، لان التفريط بحقوق الامة وسيادتها ووحدتها لا يدخل في باب الاجتهاد السياسي، بل في باب الاعتداء على وجود الامة نفسه.

