يبدو على دونالد ترامب أنه يعاني من عقدة نفسية تضاف إلى عقده الأخرى العديدة وهي عقدة الظهور كبطل من أبطال السينما، وجذور هذه العقدة تعود إلى نوستالجيا الحداثة السينمائية وما بعد الحداثة في صناعة الأفلام، حيث نشاهد أفلام الخوارق والبطولات الوهمية تحقق أحلاما بطولية من المستحيل تحقيقها.
عقب الانغماس في لعبة الدعاية والشهرة في السوشيال ميديا، ركب مشاهير العالم هذه الموجة القاتلة وهي حب الظهور في دور الأبطال، وعلى رأسهم دونالد ترامب وقد ظهرت عليه لوثة السينما عندما قام باستعادة و إحياء سيناريوهات ما حصل في الماضي مع رؤساء جمهورية أميركا الأكثر شهرة والذين تستدر أسماؤهم الكثير من الصخب والكلام والجدل ، خاصة من بين الذين تعرضوا للاغتيالات مثل أبراهام لينكولن و جون كندي و رونالد ريجان، فقام ترامب و اختار سيناريو رونالد ريجان تحديدا الرئيس ، الذي نجا من محاولة الاغتيال الذي كان مخططا له، قتل الرئيس.
المعروف عن رونالد ريجان، أنه كان ممثلا قبل أن يصبح رئيسا، وفي المفهوم الأميركي على ما يبدو بوضوح شديد التمثيل والسياسة صنوان لا يفترقان.
لذلك قام ترامب ووضع بدوره سيناريوهات لمحاولتي اغتيال له، مكللتين بالمعجزات و سيناريو النجاة، فعل ذلك حتى يثبت أنه محاط بهالة القداسة الربانيّة وهو في عهدة القدير لا يمسّه مكروه (ولا تسقط شعرة من شعر رأسه) المصبوغ بالذهبي، مع تهافت كريمات الوجه لتأبيد حالة خارقة من حالات معجزة الشباب الدائم والخديعة الهوليوودية المستمرة كما في بلاتوهات التصوير والتمثيل.
بنتيجة كل ذلك نتأكد أن الأمة الأمريكية هي أمّة دأبها الانتصار من خلال الأفلام والأحلام وقد صنعت هوليوود آلاف الأفلام التي ينتصر فيها الامريكيون الشجعان على كل من: الهنود الحمر والفيتناميين والكوريين والأفغان والصوماليين والعرب في كل أنحاء الكرة الأرضية في معارك شرسة وقدرات عسكرية هائلة.
من يحلّل كل تلك الأفلام يكتشف أنها في الأساس قد صنعت لمحاربة عقدة الموت وتحقيق الانتصار من خلال استنساخ خطاب توراة اليهود، والأمثلة على ذلك عديدة: هناك فيلم سوبرمان بكل أجزائه والذي يمثل كائنا خارقا يأتي من الفضاء الخارجي بعد فناء كوكبه، وكأنه أحد الآلهة أتى إلى الارض لينقذها من الشرّ وفيلم الهوّة The Abysses الذي يهدف إلى اكتشاف سرّ الوجود في قاع المحيطات. ويستمر البحث أيضا عن الإله في افلام مثل ستارغايتStargate وغزاة الفضاء Aliens وسائر الأفلام التي موضوعها الخيال العلمي، لأنها تذكّر بأساطير العثور على الله في مكان ما من المجرّة مستويا على عرشه وتحيط به جحافل الملائكة الشاروبيم والكاروبيم.
هذه السنة طغى الحديث عن فيلم ذي اوديسي، «الأوذيسة» The Odyssey 2026 وهو أضخم مشروع سينمائي على الاطلاق، بدأ النقاد يتكلّمون عنه منذ عام تقريبا كواحد من أقوى الأفلام المنتظرة في تاريخ السينما وقد يكون فيلم القرن ال 21 كما يزعمون.
أخرج الفيلم كريستوفر نولان الذي أخرج فيلم شهير آخر هو فيلم ـأوبنها يمرـ الذي حصد الأوسكار، فقرر العودة بملحمة تاريخية، وهي اقتباس عن قصيدة هوميروس الملحمية الشهيرة وفيها يتتبع المشاهد رحلة أوديسيوس ملك إيثاكا المحفوفة بالمخاطر للعودة إلى وطنه بعد حرب طروادة، ويواجه بولي فيموس وحوريات البحر والساحرات ومغامرات صعبة مهددة بالأخطار والهلاك.
الفيلم من بطولة الممثل «مات ديمون» بدور أوديسيوس ومعه كوكبة من النجوم: توم هولاند، آن هاثا واي، زيندايا، روبرت بات ينسون، تشارليز ثيرون، لوبيتا نيو نغو، جون بيرنثال.
كلف الفيلم 250 مليون دولار، ويعتبر أغلى فيلم في مسيرة المخرج نولان. وأول فيلم يُصور بالكامل بكاميرات IMAX الجديدة كلياً.
تمّ التصوير في مواقع حقيقية حول العالم: المغرب، اليونان، إيطاليا، آيسلندا، المملكة المتحدة، إسكتلندا، أيرلندا، لوس أنجلوس ، وكأن الأميركي يزرع في لاوعي المشاهد أنه قادر على بسط سلطانه واحتلاله على الكرة الأرضية بأسرها، فيشعر المواطن الأميركي بعظمة بلاده وسيطرتها على العالم بالصورة والحركة والألوان ، وكأنّ الملاحم الإغريقيّة كتبت من أجل عظمة أميركا الإمبريالية وهي في أصل حضارتهم المبنيّة على الأمجاد والبطولات ،علما أن الجيش الأميركي خرج مهزوما من كل بلاد العالم التي قاتل فيها وفي حال انتصر كانت انتصاراته مكلفة للغاية في العتاد والضحايا بين الجنود كما في الحرب العالمية الثانية حيث سقط الملايين .
أما الهزائم فلا تعدّ ولا تحصى: فيتنام والصومال والعراق ولبنان وغيرها من البلدان.
مهما حاول ترامب تجميل صورته {السينمائيّة} إذا صحّ التعبير وحاولت هوليوود الانتصار بالصورة يبقى هنالك بين عديد المخرجين العظام، مجموعة طليعية من الذين ثاروا على نمطيّة افلام هوليوود وعرّوا سياسة الولايات المتحدة الأمريكية الفاسدة في أعمالهم السينمائية نذكر منهم مايكل مور Michael Moore وأفلامه كلها تقريباً وثائقية تتحدث عن عيوب النظام مثل: ـBowling for Columbineـ
الذي هاجم فيه، ثقافة السلاح. وفي فيلمFahrenheit 9\11
هاجم جورج بوش والحرب على العراق وهاجم نظام التأمين الصحي الأمريكي في فيلم Sicko.
أسلوبه استفزازي وساخر لدرجة منعه من قبل دوائر البيت الأبيض زمن حكم بوش.
لا يجب أن ننسى أوليفر ستون Oliver Stone مخرج أفلام مثل ـ Platoonـ و ـ JFKـ و ـSnowden ـ. التي يركّز فيها دائما على المؤامرات الحكومية، ومؤامرات الـ CIA ، والحروب، والشركات الكبيرة التي تتحكم بالسياسة. فيلمه الشهير ـWall Streetـ عمم شعار «الطمع جيد» الذي تحول إلى شعار للرأسمالية المتوحشة. ونهجًا راسخًا لدى حكم ترامب.
كما قدّم سبايك لي Spike Lee
أفلاما عن العنصرية المؤسساتية والشرطة والطبقية في أمريكا. نذكر منها: ـDo the Right Thingـ و ـ BlacKkKlansmanـ
هذه النماذج تثبت التالي: ليست صناعة الافلام في أميركا كلها مصادرة من قبل السلطة لتبثّ بين الشعب بروباغندا الانتصارات الوهميّة فعلى الرغم من قساوة الأنظمة المتحكّمة بالمواطنين، ترتفع أصوات مثقفة معارضة لتظهر الحقيقة وتناضل من أجل الحقوق المشروعة و إظهار الواقع بشفافية مطلقة، وما علينا نحن سوى أن نختار بوعي كبير، ماذا نشاهد وكيف نفهم الرسائل المخفية في الافلام !

