الشَّبابُ والأخلاقُ الجديدةُ: القوَّةُ التي تحمي النَّهضة

بعد أن يكتسبَ الشابُّ الوعيَ، ويتحمَّلَ المسؤوليةَ، يبقى سؤالٌ لا يقلُّ أهميةً: ما الذي يضمن أن يبقى ثابتاً في طريق النهضة؟ وما الذي يحول دون أن تتحول المعرفةُ إلى مصلحةٍ شخصية، أو أن تتحول الحماسةُ إلى اندفاعٍ عابر؟

كان أنطون سعاده يرى أن الجواب يكمن في الأخلاق.

غير أنه لم يقصد بالأخلاق مجموعةً من النصائح العامة أو المواعظ التقليدية، بل منظومةً من المناقب التي تصوغ شخصيةَ الإنسان، وتوجِّه سلوكَه، وتحدِّد علاقتَه بنفسه وبمجتمعه وبقضيته. ولهذا لم ينظر إلى النهضة بوصفها نهضةً فكريةً أو سياسيةً فحسب، بل نهضةَ أخلاقٍ ومناقبَ أيضاً، حتى قال:

«إنَّ نهضتنا هي نهضةُ أخلاقٍ ومناقبَ في الحياة قبل كلِّ شيءٍ آخر.»[1]

لا نهضةَ بلا مناقب

كان سعاده يدرك أن الأفكار، مهما بلغت من الصحة، لا تحقق أهدافها إذا حملها أشخاصٌ ضعفاءُ الإرادة أو متقلِّبو المبادئ. ولهذا قال في المحاضرة العاشرة: «كلُّ خطةٍ سياسيةٍ وكلُّ خطةٍ حربية، مهما كانت بديعةً ومهما كانت كاملةً، لا يمكن تحقيقها إلا بأخلاقٍ قادرةٍ على حمل تلك الخطة.»[2]

إنها قاعدةٌ أساسيةٌ في فكره. فالنجاح لا يتوقف على جودة البرامج وحدها، بل على نوعية الرجال والنساء الذين ينفذونها.

أخلاقُ الحياة الجديدة

لم يُرِد سعاده إعادةَ إنتاج الأخلاق التقليدية التي تكتفي بالمظاهر أو تقيس الفضيلة بطقوسٍ اجتماعيةٍ جامدة، بل دعا إلى أخلاقٍ جديدةٍ تنبع من حاجات المجتمع الحي، وتساعد الإنسان على أداء رسالته في الحياة. ولهذا نجد في كتاباته وخطبه تكراراً لعددٍ من الفضائل التي اعتبرها أساساً لبناء الشخصية النهضوية، وفي مقدمتها:

  • الصدق.
  • الإخلاص.
  • الشجاعة.
  • الثقة بالنفس.
  • تحمُّل المسؤولية.
  • احترام الواجب.
  • الاستقامة.
  • المبادرة.
  • التضحية في سبيل الخير العام.

وهذه ليست فضائل فرديةً معزولة، بل مناقبُ اجتماعيةٌ تجعل الإنسان قادراً على العمل مع الآخرين، وعلى خدمة مجتمعه بإرادةٍ حرة، وتضع المصلحة العامة فوق المصالح الشخصية الضيقة.

الشابُّ القدوة

لم يكن سعاده يريد من الشباب أن يرفعوا شعاراتٍ جميلة، بل أن يتحولوا هم أنفسهم إلى مثالٍ حيٍّ لما يؤمنون به.

ولهذا كان يربط دائماً بين العقيدة والسلوك، وبين الإيمان والعمل، لأن الناس، في النهاية، يقتنعون بالأفعال أكثر مما يقتنعون بالكلمات.

ومن هنا جاءت دعوته إلى أن يكون القومي الاجتماعي قدوةً في استقامة سلوكه، وانضباطه، واحترامه للواجب، وحسن تعامله مع الناس.

مقاومةُ مثالبِ الانحطاط

إذا كانت النهضة تقوم على مناقبَ جديدة، فإنها تقتضي في الوقت نفسه خوضَ معركةٍ واعيةٍ ضد المثالب التي كرَّست الانحطاط وأضعفت المجتمع. ولذلك لم يكتفِ سعاده بانتقاد الكذب، والرياء، والانتهازية، والخوف، والاتكال، واللامبالاة، والتعصب، والأنانية، بل دعا إلى سحق هذه المثالب وإحياء المناقب الجميلة، لأن النهضة لا تقوم على التوفيق بين القديم والجديد، بل على انتصار المناقب الجديدة على مثالب الانحطاط.

وقد عبَّر عن ذلك بوضوح حين قال:

«إنَّ نهضتنا ليست نهضةَ مظاهرِ رياء، بل نهضةَ مناقبِ حياةٍ جديدةٍ تريد أن تسير بالأمة على جثث مثالب الحياة العتيقة إلى المجد.»[3]

وفي موضعٍ آخر لخَّص رسالة النهضة بقوله:

«الحركة السورية القومية الاجتماعية لم تنشأ لخدمة الموتى وإحياء المثالب، بل نشأت لإحياء المناقب الجميلة السامية وقتل المثالب لتحيا أمةٌ عظيمةٌ بأجيالها المتجددة بالتعاليم الجديدة المحيية… ومن أجل هذه الغاية العظيمة نشأ الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي يطأ المثالب التي تعترض سيره ويسحقها!»[4]

ومن هنا كان يرى أن الشاب الذي يسحق هذه المثالب في نفسه، ويتسلح بالمناقب الجديدة، يصبح أكثر قدرةً على التفكير الحر، والعمل المنتج، وخدمة قضيته بإخلاص، والمساهمة في بناء مجتمعٍ يقوم على الثقة والتعاون والمسؤولية.

بناءُ الإنسان قبل بناء المؤسسات

في النهاية، تعود الفكرة دائماً إلى نقطة البداية. فكل مؤسسةٍ قويةٍ تحتاج إلى رجالٍ ونساءٍ أقوياء.

وكل مشروعٍ نهضويٍّ يحتاج إلى شخصياتٍ تحمل مناقبه قبل أن تحمل شعاراته.

ولهذا لم يفصل سعاده يوماً بين التربية، والأخلاق، والعمل القومي.

فالتربية تصنع المعرفة. والمعرفة تولِّد الوعي.والوعي يحمِّل الإنسان المسؤولية.

أما الأخلاق، فهي التي تمنحه القدرة على الثبات والاستمرار.

ومن هنا تبقى رسالة سعاده إلى الشباب واضحةً حتى اليوم: لا يكفي أن تكون واسعَ المعرفة، ولا أن تكون شديدَ الحماسة، بل يجب أن تكون صاحبَ مناقب، لأن النهضة لا يحميها العلم وحده، ولا القوة وحدها، بل تحميها أيضاً الأخلاق الصحيحة التي تجعل الإنسان صادقاً في قوله، مخلصاً في عمله، أميناً في مسؤوليته، وفياً لقضيته، مستعداً للعطاء والتضحية في سبيل الخير العام. ولذلك كان سعاده يقول:

«نحن جماعةُ أخلاق، لأنه لا يمكن أن يقوم عملٌ عام، أو فردي، ويواجه الصعوبات، إلا إذا كان له أساسٌ من الأخلاق. فنحن جماعةُ عملٍ وصراع، لأننا في حقيقتنا جماعةُ أخلاق.»[5]


[1] أنطون سعادة، الأعمال الكاملة، المجلد السابع 1944-1947، إعلان وإيضاح العلاقة مع جبران مسوح، الزوبعة، بوينس آيرس، العدد 82، 4/11/1944.

[2] أنطون سعاده، المحاضرات العشر، إصدارات عمدة الإذاعة، بيروت، طبعة 2018، ص 230.

[3]  أنطون سعاده، الأعمال الكاملة، المجلد السابع 1944-1947، «النهضة القوميه تدخل سنتها الثالثة عشرة».

[4]  سعاده، «الحزب السوري القومي الاجتماعي لا يقبل المثالب»، الزوبعة، بويُنس آيرس، العدد 79، 12/8/1944. مغتربه القسري، الآثار الكاملة، الجزء 12 (1944-1945)، ص 26.

[5]  ـ سعاده، الحزب السوري القومي الاجتماعي لا يقبل المثالب، الزوبعة، بويُنس آيرس، العدد 79، 12/8/1944. مغتربه القسري، الآثار الكاملة، الجزء 12 (1944-1945)، ص 26.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *