هذا التفتيت المنهجي للهويات الإقليمية المستقرة لصالح الشمولية العقائدية، هو الذي ينتج بالضرورة المفاعيل السياسية والجيوسياسية العكسية للأطروحة، والتي تتلخص في ثلاثة محاذير بنيوية صادمة:
● إلغاء الخصوصية الجيوسياسية للمشرق: إن هذه المعركة ليست صراعاً هلامياً يدور في الفضاء الافتراضي للأفكار، بل هي معركة سيادة مطلقة، وأرض، وممرات مائية، وحقوق تاريخية مباشرة لشعوب أصيلة متجذرة في بيئتها الطبيعية. فالصراع يقع في قلب جغرافية حية ومتكاملة (الهلال الخصيب وبلاد الشام)، وتذويب هذه الجغرافيا في محيطات إيديولوجية بلا حدود جغرافية واضحة يقضي على خصوصية المواجهة الاستراتيجية على الأرض.
● تجريد المواجهة من طبيعتها التحررية المادية: الكيان الصهيوني لا يحتل «الميتافيزيقا» ولا يصادر «اللاهوت»، بل يحتل الأرض، ويقضم الحدود، ويمارس اقتلاعاً سوسيولوجياً للمجتمعات الأصيلة. عندما يجري تحويل المواجهة إلى ندوة لاهوتية وحضارية تبحث عن صيغ تعايش مجردة، يتم تجريد حركة التحرر الوطني من صفتها القانونية والسياسية كحركة مقاومة مشروعة ضد احتلال مادي، وتحويلها إلى مجرد «طرف في جدال ديني عقيم».
● إعفاء القوى الاستعمارية من المسؤولية الجغرافية: إن الهروب إلى الشمولية الحضارية يغسل أيدي القوى الإمبريالية والأنجلو-ساكسونية التي زرعت هذا الكيان كقاعدة عسكرية متقدمة لنهب ثروات المشرق وتمزيق وحدته الجغرافية والاقتصادية. فالصراع في جوهره هو صراع ضد مشروع تقسيم عنصري مادي، وليس مجرد سوء تفاهم حضاري يمكن حله بـ«أطروحة إسلامية مستنيرة».
إن هذا الانفصال عن جغرافية الأرض وحقائق الميدان المادية لصالح الفلسفات الفضفاضة، يؤدي إلى نتائج عكسية تماماً على مستوى إدارة الصراع الإعلامي والمعرفي الدولي:
إن تذويب الخصوصية الجغرافية والسياسية للصراع في محيطات إيديولوجية هلامية، يضعف الموقف النضالي للشعوب صاحبة الحق الأرضي، ويسمح للكيان الصهيوني بالاستمرار في الترويج للسردية الكاذبة بأنه يواجه محيطاً لاهوتياً يرفض الآخر، بدلاً من الحقيقة الناصعة: أنه يواجه مقاومة مشروعة ضد اغتصاب واقتلاع جغرافي مادي.
رابعاً: تفكيك بنية الاستعلاء العقدي السيكوسوسيولوجي (دحض السردية المضللة «العطل الأوروبي»)
في المقابل، برزت في الندوة قراءة نقدية بالغة الأهمية والجرأة (طرحتها الدكتورة نبيلة)، نسفت الأساس الذي بنى عليه الشوباني فكرة الاستثناء الحضاري الإسلامي في التعايش. إن محاولة تصوير الأزمة وكأنها نتاج «عطل أوروبي» محض جرى تصديره إلينا، تغفل عنصراً بنيوياً غاية في الخطورة: الاستعلاء الفكري والسيكوسوسيولوجي المتجذر في الشخصية اليهودية الصهيونية المعبأة بالميثولوجيا العقدية.
إن المشكلة الحقيقية لا تكمن في طريقة إدارة المجتمعات (سواء الغربية أو الإسلامية) للوجود اليهودي، بل في العقيدة الدينية الفوقية التي تقوّم الإنسان اليهودي على أنه من «شعب الله المختار»، وتمنحه حقوقاً مطلقة ومقدسة فوق سائر البشرية (الأغيار). هذه المنظومة العقدية تنتج بالضرورة سلوكاً اجتماعياً وسياسياً صدامياً عابراً للأزمنة والجغرافيا:
● التشكيك في طهارة السجل التاريخي للتعايش: التاريخ الإسلامي نفسه لم يكن بريئاً أو ناصعاً بالكامل من التوترات والاضطرابات الممنهجة (كما حدث في بعض حقب اليمن والمغرب) ، حيث كشفت الدراسات التاريخية الموثقة عن أدوار نفعية واختراقات سياسية واقتصادية لافتة، كالسيطرة على شبكات تجارة الجواري في الشام خلال العهد العثماني للتغلغل في قصور السلاطين وتحقيق مآرب سياسية خاصة، مما ينفي سردية «الضحية المستكينة» ويؤكد وجود استراتيجيات نفوذ مبطنة.
● الامتداد من النص إلى السلوك اليومي الوحشي: إن العقلية التي تبرر الإبادة المعاصرة تستند تاريخياً إلى مرجعيات دينية موغلة في التطرف، كالنصوص الواردة في «سفر التثنية» التي تأمر إبراهيم وأتباعه بألا يتركوا نسمة حية في أرض كنعان. هذا الجذر الإبادي ليس مجرد نصوص تراثية، بل يترجم اليوم في وعي المستوطن إلى سلوك يومي من الاستباحة والوقاحة السوسيولوجية؛ ولعل الحادثة الشهيرة المعاصرة (التي وقعت في تايلاند) لامرأة صهيونية ترفض دفع ثمن وجبتها علناً بحجة أنها من «الشعب المختار» وأن كل ما لدى الآخرين مباح لها، تلخص بدقة هذا المرض السيكولوجي الجمعي.
بناءً على ذلك، يصبح التبرع بابتداع «حلول حضارية» عاطفية مع جماعة تؤمن بدونية الآخر وتكفيره وتصفية وجوده جغرافياً وسلوكياً، نوعاً من الوهم المعرفي وتجنباً بائساً لمواجهة العلة الحقيقية الكامنة في صلب المنظومة العقدية والسياسية للمشروع الصهيوني.
خامساً: وهم «التحرير المزدوج» في زمن «اقتصاد الإبادة»
يطرح الشوباني بحماس مفهوم «التحرير المزدوج» (تحرير الأرض الفلسطينية من الاحتلال، وتحرير اليهود من الصهيونية)، مستنداً إلى كتابات بعض عقلاء اليهود في الغرب مثل نعومي كلاين. ورغم البعد الرمزي الأخاذ لهذا الطرح، إلا أنه يمثل ترفاً فكرياً ينفصل تماماً عن دموية الواقع وواقعية القوة في عصر الطوفان:
1 ـ اقتصاد الزومبي والإبادة: يعيش الكيان على «اقتصاد الإبادة»؛ حيث تزدهر شركات التكنولوجيا العسكرية والهايتك الصهيونية والتجسس من خلال تجريب أدوات القتل والرقابة والذكاء الاصطناعي على أجساد المدنيين في غزة ولبنان، لتحقيق أرباح فلكية في البورصات العالمية.
2 ـ بنية استعمارية رأسمالية: الصهيونية ليست مجرد «خيار عقدي خاطئ» يمكن إقناع المستوطنين بالتخلي عنه عبر الحوار المعرفي، بل هي جزء لا يتجزأ من الكارتل الرأسمالي الاستعماري الأنجلو-ساكسوني، ووظيفتها البنيوية هي العمل كرأس حربة عسكرية وتكنولوجية متقدمة لنهب المنطقة وتفكيكها.
خاتمة: رفض الاسترضاء الفكري.. السيادة التاريخية فوق الأوهام التوفيقية
ان طوفان الأقصى يمثل بالفعل لحظة «انعتاق معرفي كبير» وثورة أدت إلى تعرية الكيان الأخلاقية والوجودية. لكن الانتقال الفعلي إلى زمن «ما بعد الصهيونية» لن يتحقق عبر استيلاد أطروحات «الحلول الحضارية التوفيقية» التي تبحث عن مخارج لأزمة الكيان الوجودية، بل يتحقق عبر تعزيز الوعي بالحقوق التاريخية غير القابلة للتصرف، والتشبث بالسيادة الجغرافية والوطنية الصارمة.
من هنا، فإن تقديم هذا «الحل الحضاري» كأطروحة بديلة، وإن تدثّر بعباءة ريادة النموذج الأخلاقي والتفوق التاريخي في التعايش، يضعنا أمام مفارقة بنيوية لا يمكن إغفال خطورتها الاستراتيجية. فخلف الجاذبية البلاغية لشعارات «العدالة الإنسانية»، يشتغل هذا الطرح عملياً كـفخ معرفي يمرر منزلقات تصفوية كبرى؛ حيث يساهم في «التزويق الأخلاقي» لطبيعة الصراع الوجودية. إن تحويل المواجهة مع مشروع استيطاني إحلالي واقتلاعي من صلب حقيقته المادية والجغرافية إلى قضية دمج ديمغرافي وإدارة لاهوتية، ليس سوى منح طوق نجاة فكري لكيان مأزوم وجودياً بعد أن حاصرته دماء الميدان. هذه التوفيقية المعرفية تنتهي عملياً إلى «استدخال الأزمة» الأوروبية وتحميل الجغرافيا المشرقية المنهوبة وزر الآثام التاريخية للغرب الإمبريالي، في مقابل منحه صك براءة مجاني. وكمون الخطورة هنا يكمن تحديداً في قدرة هذه القوالب الفلسفية البراقة على تسييل الوعي النضالي، وتمرير تنازلات سيادية وتاريخية تحت غطاء فقهي وحضاري مائع، يلتقي في نهاية المطاف –عن وعي أو غير وعي– مع مساعي إجهاض منجزات الميدان المادية وسحق حتمية التحرير الكامل.
لقد آن الأوان لكي يتوقف الفكر العربي والمشرقي عن ممارسة دور «المعتذر» أو «المتبرع بالحلول» لأزمات الغرب ومستوطنيه؛ فالعدالة الإنسانية الحقيقية في المشرق تبدأ من الإصرار على التحرير الكامل، والسيادة المطلقة للأمة على أرضها، والإصرار على تفكيك المنظومة الاستيطانية العنصرية برمتها، وإعادة الاعتبار للحقوق التاريخية والمادية التي حاول الدجل المعرفي الصهيوني طمسها على مدار قرن من الزمن.
د. نبيلة غصن ـ الحلقة الثانية

