اتساع المقاطعة الثقافية والأكاديمية الأوروبية يعزل الكيان الصهيوني

يتحول الكيان الصهيوني إلى «الدولة الأكثر مقاطعة في العالم». فهو يواجه في الآونة الأخيرة ما يشبه عزلة دولية وموجة عارمة ومتصاعدة من العقوبات الدولية والمقاطعة التي تستهدف وزراء في الحكومة، ومستوطنين، وكيانات أكاديمية، واقتصادية. وبات ظاهراً أن هذه المقاطعات المتنوعة باتت تشكّل جبهة دولية منسقة ضد السياسات «الاسرائيلية» لا سيما منذ 7 أوكتوبر 2023 إذ تلقى حركة المقاطعة «بي دي إس» الدعم المتزايد من دول ومنظمات إقليمية ودولية.

فضلاً عن المقاطعة الاقتصادية وسحب الاستثمارات العالمية، انتقلت حركة المقاطعة إلى التضييق الأكاديمي والثقافي. وظهر ذلك في رفض الفنانين إقامة حفلات في الأراضي المحتلة، ورفض الكتّاب ترجمة كتبهم إلى العبرية، كما جرت محاولات لإقصاء «إسرائيل» من مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» ومن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، إضافة إلى مساعي دول أوروبية مثل فرنسا وأيرلندا وبلجيكا تقويض التعاون العلمي مع هذا الكيان الغاصب وبالتالي فإن هذه التطورات، وهذا الحصار المتنامي، يضعه أمام تحديات وجودية طويلة الأمد في محيطه الدولي. وعزز ذلك رفض اتفاقيات التوأمة والتعاون المشترك بين الجامعات والمؤسسات الثقافية العربية أو الدولية ونظيراتها «الإسرائيلية»، وكذلك تحث الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية ل «إسرائيل» (PACBI) والي تتكوّن من أكاديميين وفنانين وعاملين ثقافيين فلسطينيين، العاملين في الحقل الثقافي الدولي والمؤسسات الثقافية الدولية، بما فيها النقابات والجمعيات، على مقاطعة الفعاليات، أو الأنشطة، أو الاتفاقيات، أو المشاريع التي تضم «إسرائيل» أو جماعات الضغط الموالية لها أو المؤسسات الثقافية المتواطئة معها. وتدعو كذلك الفضاءات والمهرجانات الدولية أن ترفض التمويل وأي شكل من أشكال الرعاية من حكومة العدو أو الكيانات المتواطئة معها. وإزاء الممارسات «الاسرائيلية» في قطاع غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان، أعلن عشرات الآلاف من الفنانين في شتى أرجاء العالم وعدد متزايد من المؤسسات الفنية عن تأييدهم العلني للمقاطعة الثقافية «لإسرائيل» التي تتأسس على الإبادة الجماعية. وفي هذا السياق، أعلنت هيئة البث الهولندية مقاطعة مسابقة الأغنية الأوروبية 2026 إذا شاركت «إسرائيل»، لتنضم إلى أيرلندا وسلوفينيا وإسبانيا وآيسلندا بهذا المسار.

وتشير الأرقام الموثّقة إلى المزيد من الفنانين من شتى أرجاء العالم الذين أعلنوا الانضمام إلى المقاطعة الثقافية، ومنهم:

-7,000 كاتب وشخصية من الشخصيات البارزة في صناعة الكتب، بمن فيهم سالي روني وراشيل كوشنر وأرونداتي روي، الذين تعهدوا بالإحجام عن العمل مع أي ناشرين أو مهرجانات أو منشورات متواطئة في انتهاك حقوق الفلسطينيين.

-المئات من المؤسسات الفنية التي أيدت دعوة الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل (PACBI) بشأن المقاطعة الثقافية في سنة 2024 وحدها.

-تخلى العديد من المهرجانات الموسيقية مثل مهرجانات الموسيقى البريطانية (SXSW) و«لايف نيشن» (Live Nation)، بما فيها مهرجان The Great Escape للموسيقى والفنون عن الشراكات مع جهات متواطئة بعدما قاطع ما مجموعه 300 فرقة تقريباً المهرجانات تعبيراً عن احتجاجها.

-أعلان 302 متحف ومؤسسة فنية وثقافية في هولندا وبلجيكا، عن بدء مقاطعة ثقافية ورفضها التعامل مع المؤسسات «الإسرائيلية» بعد توقيع بيان في اوكتوبر 2025 دعا إلى مقاطعة جميع المؤسسات والشركات الإسرائيلية ثقافياً بسبب الإبادة الجماعية في غزة واستمرار احتلال الضفة الغربية، مذكَّراً بأن أكثر من 400 فنان عالمي انضموا إلى احتجاج «لا موسيقى للإبادة» وحظروا موسيقاهم الخاصة من منصات البث «الإسرائيلية». ولم يكتف البيان بالإشارة إلى أن «المقاطعة الثقافية لن تكفي لوقف الإبادة الجماعية والاحتلال»، بل دعا القطاع الرياضي والوسط الأكاديمي والمؤسسات الاقتصادية والسياسيين إلى قطع العلاقات أيضاً. ومن بين الجهات المشاركة في المقاطعة مؤسسات بارزة مثل متحف بونيفانتن في ماستريخت بهولندا، ومتحف الفنون الجميلة في غنت في بلجيكا، ومهرجان هولندا السينمائي، وأوبرا هولندا.

-في الولايات المتحدة رفع أكثر من أربعة آلاف ممثل وفنان ومنتج، بينهم نجوم بارزون في هوليوود، صوتهم عبر بيان لمقاطعة المؤسسات السينمائية «الإسرائيلية» المتهمة بالتواطؤ ضد الفلسطينيين، لينضموا إلى قافلة من الأكاديميين والمثقفين في أميركا وأوروبا طالبوا بفرض المقاطعة الثقافية لهذا الكيان.

وبذلك بدأ الكيان الصهيوني يستشعر آثار هذه المقاطعات الثقافية والفنية والعلمية على المستوى المستقبلي لوجوده وعلى التقدم الأكاديمي لديه وبالتالي يعتبره خطراً إستراتيجياً على مكانته البحثية والعلمية. وعلى المستوى الفني والثقافي يسود شعور لدى فنانيه والمتعاطين في الشأن الثقافي بأنهم «شعب منبوذ» بسبب جرائم دولتهم في فلسطين ولبنان، مما يهدد في الغرب مكانة هذه «الدولة» التي تعمل بالسر على تشويه قادة تلك الحملات عبر تخصيص ميزانيات لقيادة حملات مضادة.

إذن هذا الصراع الثقافي سيكون له صدى بأن «إسرائيل» ستجد نفسها معزولة، وسط مخاوف متزايدة من اتساع المقاطعة الأوروبية ثقافياً وأكاديمياً، خاصة مع احتمال انضمام دول أكبر وأكثر تأثيراً للتنديد بسلوكها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *