الإعلام والمعيار

نجيب نصير

الإعلام وظيفة، لها مهام وأدوار، في تكنولوجية الاجتماع الحديث، وكما كل وظيفة له محدداته وأهدافه، في إطار القانون، المستجيب لمصلحة المجتمع حصراً، دون تدليس أو مواربة أو تفريخ، وبعلانية واضحة، بعيدة عن الدهلزة والاستنساب السياسي، كي لا تتحول وظيفته إلى ضدها، وبالتالي يفقد  مبرر وجوده، محتكما في ذلك إلى المعايير المجربة والتي يتم تطويرها دون توقف. وهنا يتحول الإعلام إلا توأم الإعلام، فإعلام بلا معايير، يخفي معاييراً، تتسبب بالتفاعل الإيجابي مع طروحاته، لذا تبدو مسألة طرح المعايير ومناقشتها علنياً واحدة من واجباته المؤسِسة له، ويتحول سريعاً إلى وظيفة وهمية، تقوم بتبليغ الفرمانات إلى جمهور صامت ليس له قيمة.

والوظيفة، مسؤولية، تخضع للمساءلة، فكم من إعلام تركه جمهوره، دون أي ندم، لأنه وببساطة ابتعد عن المعايير الإعلامية، التي يجب هو نفسه أن يؤسس لها، ويعلنها التزاماً بوظيفته المسؤولة، وبالتالي يمكننا القول أن طول حياة إعلام ما مرتبط باستجابته للمعايير العلنية، وإخلاصه في أداء مستحقاتها، ومنها وعلى الأخص معايير الحياة المجتمعية (لا أقصد الاجتماعية)، في كيفية متابعة صيانة المصلحة العامة، من قبل المواطن (في مجتمع على أرض وطن)، فالمعايير لبتي يسعى الإعلام إلى تعميمها وتعميقها في الثقافة المجتمعية، هي البوصلة الحقيقية للخطأ والصواب، وبالتالي المساءلة التي تنطوي على مكافأة ومعاقبة. بمعنى أن المواطن يعرف موقعه في تكنولوجية الاجتماع، من خلال استدلاله بالمعايير التي تفرز الممارسات التفاعلية إلى خطأ وصواب.

والآن يمكننا الانتقال إلى الواقع، حيث يمكننا طرح آلاف الأسئلة على آلاف المسائل التي تشكل العيش الاجتماعي المتفاعل، خطأً أو صواباً، بما يحصر المسؤولية بممارسي قيادة التفاعلات هذه، في السياسة والاقتصاد والمعرفة، فمسألة الدولة، تعريفها وكيانها ومظاهرها، والفرق بينها وبين الحكومة، وعن السلطات واستقلاليتها وإلخ، من يحددها، سيكون الجواب «المعايير» ولكن هذه “المعايير” مختفية ولم يسمع بها أحد إلا القلة، فنتساءل عن دور الإعلام !!!، كيف يعرف المواطن ( وهذا من وظيفة الإعلام) أن دولته فاشلة أم ناجحة، وبأي مقياس؟ وهو لم يقرأ في جرائده ولم يسمع بالراديو أو يشاهد بالتلفزيون، جرس يذكره بمعايير الدولة الناجحة، والفاشلة، وماذا يفعل في الحالين في ظل استقلال السلطات التي لا يعرف عنه شيئاً؟!، كيف يعرف المواطن في مجتمع ودولة، أن أمنه المائي مهدد، دون معايير يفهم بسببها الكميات والأرقام المتداولة، في حال وفرها له الإعلام!، وربما مقياس  أو معيار السعادة، هو من المسائل المطروحة حديثاً على تفكير المواطن العادي، عندما يقرأ في الإعلام العالمي عن دراسات وأبحاث وإحصائيات، تحدد معايير السعادة وتقيس بها سعادة هذا الشعب أو ذاك، وهو لا يستطيع أن يعاير أثر الزبالة في حياته، لان الإعلام منع عليه معلومات المعايرة، لأنها تدعو للمساءلة، وعلى أساسها تتحدد عمليات القمع والإكراه، لتتحول وظيفة الإعلام إلى حماية غير المعايرين من المساءلة، وهكذا يشارك الإعلام الذي يفترض في أن يعرف، إلى إعلام لا يعرف، ويريد أن يتبوأ مكانة نخبوية خاصة في الاجتماع البشري، كونه هو نفسه هارب من المعايرة، وبهذا تبدأ وظيفته من نقطة أولى أسمها الفساد غير المعاير، ولا تنتهي بالتجهيل، الذي لم يعد متعمداً، بل من طبيعة الأشياء الشوهاء.

والأشياء الشوهاء هي الأشياء التي لا تتم معايرتها بشكل متكرر، بذريعة اختفاء المعيار على حين قلة احترافية عابرة، وبالتالي على المواطن اختراع معاييره الشخصية كنوع من الحرية المترفة، على الرغم أنها لا ولن تحقق مصلحة عامة، ولا رؤية عامة تنجيه من تكرار الأخطاء، والسماح لغيره بتكرار الأخطاء ( مهزلة الانتخابات المعروفة مثالاً).

المعيار ليس مسألة خيرية يمارسها المواطن تطوعا، بل ممارسة موضوعية إجبارية إذا أراد أن يحافظ على مجتمعه عزيزاً، ومعايرة الأداءات جزة من واجبه، يسعى إليها كل إعلام سليم، ويدفع بها قدماً في كل مناسبة، نظراً لضرورة معرفتها لتقييم أداء المؤسسات، التي  يجب أن تستجيب لمصالح المواطن، كعضو مساوٍ للجميع في اجتماع بشري لديه كل معلومات طرائق العيش والبقاء في هذه الدنيا.

وهنا نسأل، كم من مواطن يعرف ما هي معايير الدولة الفاشلة، وكم من هذه المعايير ينطبق على أداء دولته، وكم مواطن يعرف عن الإعلام سوى تبلغوا وبلغوا العثمانية  المعروفة بالفرمان، ماهي معايير الإعلام الفاشل، والإعلام الناجح، هل نستدل بجرائد نجحت في دعم استخدام المعايير، أو تلفزيونات تابعت الفضائح وكشفتها وتساءلت المسؤولين، ( ووتر غيت مثالا)، فهل الدولة الأميركية فاشلة، بالمقارنة مع «دولنا»؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *