د. أنطون حداد
الإستراتيجية هي الخطة العامة أو الاسلوب المنظَّم أو المنظِّم لتحقيق هدف معين.
الإستراتيجيا هي الخطة الكبرى التي ترسمها دولة، حلف، أو شركة وتعمل القيادة بناءً عليها لتحقيق أهدافها الكبرى بالشكل الأمثل الذي يتناسب مع مقوماتها وقواها المتاحة.
التخطيط الاستراتيجي، والبعيد المدى خصوصاً من اختصاص الدول الكبرى والناهضة، عادة في المجال الاقتصادي، الذي بدوره يفرض أو يقود الى النهوض العسكري لحماية أسواق تصريف البضائع أو حماية مصادر المواد الخام والاولية اللازمة لاستمرار إنتاج النمو والثروة كمصادر للبحبوحة والرفاهية القومية.
ضعفت هذه الحالة بعد الحرب العالمية الأولى الطاحنة التي جاءت في المقام الاول نتيجة هذه العوامل السابق ذكرها، وجاءت الحرب الثانية لمحاولة إزالة آثار الأولى وخاصة من الجانب الالماني، والخروج على المذلة والإجحاف الذي لحق بكبريائه وجدارته، والذي حاول قتل روح الأمة الجرمانية، وبعد أزمتي 1929 و1932 وما نجم عنهما من فساد ودعارة وربة تزعمتها وسوّقت لها الجاليات اليهودية المتحكمة في هذه المجالات بين نيويورك، وبرلين، ولندن، وباريس.
اتخذ الصراع خلال الحرب الباردة منحى آخر مع الخوف النووي الرادع وتلقف الدرس الذي يقول بأن حروب الكبار تؤدي الى تراجعهم وإفساح المجال لظهور قوى جديدة من خارج المنظومة كما حصل مع المانيا وفرنسا وانجلترا…بعد الحرب العالمية الثانية واحتلال الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة المشهد كقوتين كبريين اقتصاديين وبعقائد كبرى واستراتيجيات مدعومة عسكريا
التفوق العسكري هو الذي يحرك الاقتصاد، ولطالما أعلنت أميركا الرأسمالية الجشعة انتصار مبادئها الرأسمالية بشعارها الوقح: دعه يعمل، دعه يمر مستتبعا» بمقولة الغاية تبرر الوسيلة دون ضوابط إنسانية وأخلاقية.
ذلك لا يخفي خروجها من الحرب الباردة منهكة، وقد تداركها البترو دولار بالسيطرة الدولارية على سوق التعاملات النفطية وعجزها هذا لا يقل عن إنهاك الاتحاد السوفياتي السابق.
استفردت أميركا المنهكة إقتصادياً والمتفوقة عسكرياً وتكنولوجياً بفرض شروطها وسياساتها الاقتصادية على العالم، فكانت سياسة التجارة الحرة والحدود المفتوحة أولى استراتيجياتها ظناً منها أنها ستجتاح أسواق العالم بمنتجاتها المتفوقة وحجم اقتصادها الضخم، لكن الواقع خالف المرتجى رغم الإقلاع القوي حتى وصلت الى صفر ديون التي فاخر بها رئيسها كلينتون مطلع الألفية الثالثة.
بعدها كان الانتعاش الياباني الألماني تبعه الصيني والروسي ثم الهندي … لتعود أميركا الى وضع العسكري أمام السياسي في رسم استراتيجيتها وسياساتها بعدما عاد العجز يضرب الميزانية وترتفع ديون أميركا ويختل ميزانها التجاري أمام اليابان والعملاق الاقتصادي الصيني القادم تحديداً في غضون عقدين، وفرض نفسه كدائن وشارٍ أول لسندات الخزينة الأميركية.
بدأت أميركا، وطبعاُ بحكوماتها الخفية أو دولتها العميقة القائمة على الصناعات العسكرية بالدرجة الأولى وتكنولوجيتها المتفوقة باتباع سياسة القرصنة التي كانت سبب نشوئها بنهب ثروات الأمم من جديد، وباتت موارد الدول عرضة للابتزاز أولاً بسلاح الدولار والحصار المالي والاقتصادي، فكانت العراق الضحية الأولى بعد حصار طويل وتجويع ثم حرب مدمّرة، تلتها أفغانستان، وسوريا وليبيا التي سابقتها اليها فرنسا.
استمرت أميركا في استخدام استراتيجيتها الرابحة عسكرياً بإزاحة خصومها بعد حصار اقتصادي منهك، وخاصة أعداء الدولار كالعراق وليبيا التي فكر زعماؤها بالتخلي عن الدولار الأميركي في التعاملات النفطية، أو الأعداء الاستراتيجيين كإيران وروسيا قبل أن تستفيق وتتفاجأ بالمارد الصيني يسابقها على أي سوق وفي كل مجال اقتصادي.
وقفت أميركا حائرة عاجزة غير مستسلمة أمام هذه الأسماء الكبرى فاختلقت لروسيا أزمة أوكرانيا كما اختلفت أزمة تايوان في وجه التنين الصيني. ومستفيدة من «البعبع» الإيراني في ابتزاز خزائن دول الخليج كأكبر مستوردي السلاح الأميركي بحجة حمايتهم (المدفوعة أيضاً) من المد الشيعي الفارسي.
روسيا بلد الموارد الضخمة التي فهمت أسس الاستراتيجية الإمبريالية أضافت إلى إرث الاتحاد السوفياتي وترسانته العسكرية والنووية الهائلة ترسانة متطورة ضخمة حديثة كانت مفاجئة بذاتها، وغير متوقعة على أوكرانيا، في حين أن الصين أعدت بصمت بالتوازي مع نهضتها الاقتصادية ترسانة عسكرية فائقة القوة والتطور صعقت المراقبين.
من جهتها إيران كانت المفاجأة الميدانية في مواجهتها العدوان الأميركي العبري الغادر والمباغت، استوعبت إيران الصدمة رغم خسارة المرشد والقادة، ورغم الحصار والعقوبات والسلاح الاستراتيجي الأميركي والترامبي المتهور خاصة. وبدأ الرد المزلزل على تل أبيب والمدن اليهودية أولاً ثم على دول الخليج أو حيث تتواجد قواعد أميركية مما وضع اميركا وحليفتها اليهودية في عنق الزجاجة وأمام خيارات أحلاها مر، وخاصة أميركا التي خسرت هيبتها وأعلنت قيادتها العسكرية والخبيرة هزيمتها.
يتضح مما تقدم أن استراتيجية أميركا خلال العقود الأربعة الأخيرة القائمة على الحصار والعقوبات ثم الاجتياح العسكري، أمنت لها انتصارات عسكرية باهظة الثمن.
جاء تحدي بوتين كأول اختبار عسكري جدي مباشر ضد دولة حليفة مباشرة لأميركا دفعت فيها مئات الملايين من الدولارات وتكاد تتسبب بانفراط عقد حلف الناتو الذي بات وشيك.
أما إيران فتقود حرب إسقاط مقولة أميركا شرطي العالم وخاصة في المحيطات والممرات المائية، من هنا كان إقفال مضيق هرمز الورقة الذهبية في يد إيران لإخراج أميركا من الشرق وكف حرية تحركها وسيطرتها على المضيق بعد فشلها في باب المندب
أما الصين فيبدو أنها أيقنت مصير أميركا المحتوم فهيأت ترسانتها الاقتصادية والعسكرية النووية، وتنتظر ببرود إعلان هزيمتها خاصة بعد وصول المديونية في العصر الترامبي الأربعين تريليون من الدولارات والتي لن يخرجها من مأزقها حسب الخبراء سوى إستراتيجية إخضاع إيران ونهب ثرواتها ووضع اليد مباشرة على نفط إيران والخليج كما اعتبرها حسن أحمديان. وما تفجير أنابيب نورد ستريم Nord Stream الروسية التي تغطي اوروبا عامة والمانيا خاصة سوى إفلاس ويرى الخبراء انه لم يعد لدى اميركا سوى ضرب مصافي النفط الإيرانية أو استعمال الأسلحة النووية حسب البروفسور جون ميرشايمر،
هذه العقيدة التدميرية باتت في صلب إستراتيجية الدولة العسكرية اليهودية وهي أصلاً في صلب عقيدتهم الدينية اليهودية الإبادية: « …أقتل ودمر ولا تستبقي نسمة حية» كانت القرى الفلسطينية ضحيتها الأولى مع بداية الاستيطان وتدمير القرى وقتل أهلها أو تهجيرهم. وهي مستمرة بشكل أكثر وحشية في غزة ولبنان مع تطور الآلة الحربية اليهودية، ولن تكون الضفة الغربية بعيدة عن تجرّع هذا الكاس.
يبقى أن نشير الى ضرورة توفر الروح القومية لدى الشعوب الناهضة قبل أي صعود اقتصادي أو إستراتيجية تسلحيه، بل هذه الروح القومية هي الروح الدافعة كل نهضة مجتمعية. ولولا وجودها في صميم الشعب الإيراني لنجح رهان أعدائها على الانقسام والهرولة على التعامل مع العدوان، فجاءت النتائج عكسية عليه
من هنا سقطت هذه الإستراتيجية التدميرية لمقومات كل البلدان الآنفة الذكر على النهوض مجدداً على المدى المنظور.
نعم، هذه الإستراتيجية تعطلت كما أسلفنا ودخلت الإدارة الاميركية في المحظور متجاوزة كل الخطوط الحمر بعد سلسلة الإقالات والاستقالات العسكرية.
إن وقوف أميركا عاجزة عن وضع إستراتيجية واضحة تخرجها من الحرب التي ورطها بها عهر نتنياهو وجنون ترامب، واستبدال إستراتيجية الفشل هذه، المعتمدة على البطش والغرور وهو ما صرح به أحد المسؤولين الأميركيين عندما سأل يستفسر عن أسباب غزو سبعة دول في خمس سنوات بعد أ حداث 11 أيلول فكان الجواب: «لدينا من القوة الضاربة كالمطرقة ما يكفي فلما لا نضرب على المسمار», وحسب مقولة إيلون ماسك: « الموقف صعب حيث سواء اخترت العنف أم لا فالعنف قادم إليك، إما أن ترد الضربة أو تموت». ولك الخيار.
إن سقوط الإستراتيجية القائمة على تدمير البنى التحتية واقتصاد الخصم التي جعلت أميركا زعيمة العالم إبان الحرب الباردة، وزعيمة العالم بعدها مع سقوط الاتحاد السوفياتي، سقطت كلها على أبواب إيران وباب المندب بعد اضطرارها النزول الى الميدان بكامل قواها مستغنية عن وكلائها ثم عن تعاليها دون نتيجة تحفظ هيبتها بل على العكس باتت تتخبط دون إستراتيجية واضحة.
إن سقوط إستراتيجية زعيمة العالم ليس سقوطاً عادياً، إنه خروج عن زعامة العالم، إنه انحسار نفوذ وفقدان سيطرة وتغير جيوبوليتكي يحتاج العالم فترة ليست قصيرة ليتأقلم مع تبعاته.


