سعاده مصطفى ارشيد
كلما اقترب موعد الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية (الكنيست) في 28 من تشرين أول القادم كلما ازدادت رغبة حكومة نتنياهو بإشعال الحروب التي لا ترى ولا تملك بديلا عنها لرفع كفاءتها في الانتخابات، ولكن هذه الرغبة تبقى محكومة بما تريده وتوافق عليه الولايات المتحدة الامريكية والتي قد يكون لها راي مختلف وان كان الاتفاق على الهدف النهائي اكيد.
في واشنطن تبدو المسائل مختلفة، اذ تفيد الدراسات في مراكز صناعة الاستراتيجية ان واشنطن تعكف على العمل على وضع استراتيجية جديدة وبلورتها للعمل بها في مرحلة ما بعد الحرب الدائرة بالخليج، تضمن هذه الاستراتيجية كبح جماح ايران وقدرتها على التمدد الاقليمي وعلى سيطرتها على الملاحة في الخليج وعلى ضمان عدم قدرتها لا على صناعة السلاح النووي أو حتى لإبقاء مشروعها النووي في حدوده الدنيا كما تعمل على ادخال من لم يدخل حتى الان في عمليه التطبيع إلى دائرة التطبيع.
لتحقيق ذلك تنظر واشنطن إلى تل ابيب باعتبارها الشقيق الاصغر الذي قد لا يعرف احيانا مصالحه الحقيقية التي يدركها الشقيق الاكبر، وهي ترى ان الحكومة الإسرائيلية عليها ان تلتزم بضوابط عدم توسيع دائرة الاشتباك، والاهم ان اي حكومة إسرائيلية ستشكل بعد الانتخابات بغض النظر عما سيشكلها فان عليها ان تلتزم بهذه الاستراتيجية التي ستنقذها من التحول إلى دولة عنصرية أو إلى دولة ثنائية القومية.
اصبح من الواضح ان الإدارة الأمريكية قد اصبحت ترى ان امكانية الانتصار على ايران عسكريا اصبحت بعيدة المنال، وان فتح مضيق هرمز بالقوة يحتاج إلى تدخل بري يقود إلى حالة شعبية أمريكية رافضة للدخول في هكذا مستنقع، اذ لا تزال الذاكرة الأمريكية حاضرة بقوة عند فكرة التدخل البري، فالتجربة الأمريكية في فيتنام والتي هدفت إلى هزيمة فيتنام الشمالية الشيوعية في حينه انتهت بتسليم كامل فيتنام للشيوعيين واوقعت اعداد لا تحصى من القتلى والمشوهين جسديا ونفسيا في صفوف القوات الأمريكية، وكذلك تجربتهم في افغانستان وتورطهم في المستنقع الافغاني لقتال حركه طالبان والتي انتهت بتسليم هؤلاء الحكم والرحيل دون تحقيق شيئا من اهداف الحرب المعلنة، ترى الولايات المتحدة ان العقوبات والحصار الاقتصادي ومحاولة تخريب الوضع الداخلي في ايران هي الادوات الوحيدة التي بين ايديها اضافة إلى تنفيذ ضربات من بعيد وهو امر لا يحسم الحروب، من هنا تحرص الإدارة الأمريكية على ضبط سلوك تل ابيب تجاه ايران وتحول دون تدخلها المباشر وذلك على عكس رغبات الحكومة ورئيسها بنيامين نتنياهو. وهكذا تخرج الجبهة الإيرانية من دائرة الاستهداف الاسرائيلي في المدى المنظور.
في اليمن راقبت اسرائيل الاشتباك اليمني السعودي على قاعدة انها مستفيدة من هذا الاشتباك بغض النظر عن نتائجه ان جاءت لصالح هذا الفريق أو ذاك، ولكن مع اغلاق باب المندب واحكام السيطرة على الطريق الملاحي الذي يمر عبر البحر الاحمر ويمثل بواباتها الشرقية البحرية حيث يرون أن إغلاق مضيق باب المندب جاء بالتنسيق مع إيران أو حتى بأوامر مباشرة منها وهو ما نفته كل من صنعاء
وطهران…. هنا بدت المسائل مختلفة، فقد تصرفت اسرائيل بحذر في إطلاق التهديدات المباشرة، لذلك تكتفي اسرائيل بالحديث عن ضرورة تشكيل تحالف دولي ضد اليمن تكون شريكة فيه مهمته فتح مضيق باب المندب بالقوة وهو ما لا تراه واشنطن بالوقت الحاضر.
في ارض الشام ما زال حدود الدور الاسرائيلي محكوم بالتنافس الاسرائيلي التركي الذي استثمر بشكل مشترك في الازمه منذ عام 2011 حتى سقوط النظام ووصول القوات المدعومة تركيا إلى دمشق قبل غيرها وهنا حصل الخلاف بين الشريكين حول الحصص ومناطق النفوذ، والإدارة الأمريكية التي لم تدعم اسرائيل دائما تعرف مقدار حاجاتها للأتراك في هذا الوضع المعقد وهل تدرك اكثرمن الاتراك وهم من اهم حلفائها في داخل حلف شمال الاطلسي (الناتو)، ستواصل اسرائيل اعمالها في شرق الجولان وحوران والجبل، ولكن ضمن ضوابط.
ما هو خارج الضوابط الأمريكية على حكومة الاحتلال قد يكون لبنان وجنوبه وفلسطين في الضفة الغربية والقدس وغزة لك لازلت تكتوي بالنار والجوع، وهنا قد تتحقق الرغبة الموجودة لدى حكومة الاحتلال في اشعال هذه الجبهات واستعمالها كوقود انتخابي.
هي أيام صعبة ولا ريب، ولكنها ستنقضي في النهاية وما يحدد المستقبل ومساراته ليس فقط ما تريده واشنطن وتخطط له من استراتيجيات، انما هو مرتبط ايضاً بصمودنا وصبرنا ان في فلسطين أو لبنان وفي نتائج المعركة الكبرى في الخليج.
سعاده مصطفى ارشيد ـ جنين ـ فلسطين المحتلة


