لينا شلهوب
جرّ الكيان الصهيوني نفسه إلى أزمات حادة مختلفة لا سيما الاقتصادية والمالية نتيجة الحرب التي يخوضها واستمرار العمليات العسكرية على جبهات متعددة واتساع انتشار قواته من غزة إلى سوريا ولبنان. فالإنفاق العسكري بلغ ذروته اليوم لا سيما منذ عام 2023. ثلاث سنوات من الحروب والاعتداءات الموزعة يميناً وشمالاً جعلت من الدولة الغاصبة تئن تحت عجز كبير مع تواصل رفع إنفاقها العسكري بوتيرة قياسية، ومع اقتراب موازنة الدفاع لديها إلى نحو 62 مليار دولار، وتزايد كلفة استدعاء قوات الاحتياط، وتعويض مخزونات الأسلحة والذخائر التي استُهلكت خلال الحرب، الأمر الذي يفاقم الضغوط على الموازنة العامة والديون وسوق العمل، بما يفتح الباب أمام أزمة مالية أكثر حدة إذا طال أمد الحرب واتسعت الالتزامات العسكرية.
لا تتوقف كلفة الحرب عند النفقات المباشرة للعمليات العسكرية، إذ تحتاج المخزونات التي استُهلكت إلى التعويض، فيما تتطلب منظومات الدفاع الجوي الاعتراضية والذخائر عمليات إنتاج وشراء متواصلة للحفاظ على جاهزية الجيش.
وفي مؤشر على حجم الضغوط المالية المتراكمة، تجاوزت ديون وزارة الدفاع لشركات الصناعات العسكرية الإسرائيلية 5 مليارات دولار مما يعكس اتساع الفجوة بين حجم الاحتياجات العسكرية والموارد المتاحة لتمويلها.
وتزداد الكلفة مع استمرار استدعاء قوات الاحتياط لفترات طويلة، إذ تتحمل الحكومة نفقات مباشرة مرتبطة بخدمة عشرات الآلاف من جنود الاحتياط، في حين يتحمل الاقتصاد كلفة غيابهم عن وظائفهم وأعمالهم لفترات ممتدة. وثمة مخاوف داخل الكيان من أن يؤدي استمرار الانخراط العسكري على أكثر من جبهة إلى استنزاف الموارد المالية والبشرية، بما يصعّب على الاقتصاد الإسرائيلي تحمل كلفة العمليات لفترات طويلة.
في حزيران الماضي ذكرت «كالكاليست»، وهي صحيفة وموقع أخباري اقتصادي يومي «إسرائيلي»، أن ديون وزارة الدفاع المستحقة للشركات الدفاعية الكبرى بلغت نحو 5.2 مليار دولار، في وقت تتصاعد فيه الخلافات مع وزارة المالية بشأن زيادة موازنة الدفاع. وأضافت أن وزارة الدفاع تخصص معظم الأموال المتاحة لتغطية الاحتياجات العملياتية العاجلة وتمويل «الاستمرارية اليومية»، بما يشمل إعادة تأهيل الجرحى وتعويض العائلات والحفاظ على جاهزية قوات الاحتياط المنتشرة في لبنان وسوريا وغزة. وكشفت أيضاً أن تكلفة 17 ساعة فقط من المواجهة العسكرية بين «إسرائيل» وإيران في بداية حزيران بلغت قرابة 168 مليون دولار. وأضافت أن هذا الرقم يضاف إلى تكلفة يومية تتراوح ما بين 33.6 إلى 43.7 مليون دولار للعمليات العسكرية على مختلف الجبهات.
وبحسب بيانات وزارة دفاع العدو، بلغ إجمالي مشتريات الوزارة داخل الكيان الصهيوني منذ تشرين الأول 2023 نحو 87 مليار دولار، أي ما يعادل أربعة أضعاف متوسط الإنفاق السنوي قبل الحرب.
على الصعيد الشعبي ترى الأغلبية الساحقة في «إسرائيل» أن احتلال غزة واستمرار الحرب يوقع كارثة ب «إسرائيل» واقتصادها مع إشارة خبراء اقتصاديين إلى أن الاقتصاد «الإسرائيلي» على شفا كارثة بسبب تكاليف الحرب. وقد حذر 80 خبير اقتصادي من الثمن الاقتصادي والسياسي الباهظ الذي ستدفعه «إسرائيل» إذا أصرت على مواصلة الحرب واحتلال غزة. ومن العواقب الاقتصادية لاستمرار الحرب تسارع هجرة الأدمغة وانخفاض حاد في الإنتاجية والناتج المحلي الإجمالي، وارتفاع مستمر في نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، وخطر حقيقي بحدوث أزمة ديون، وتكلفة مالية مباشرة بعشرات المليارات من الشواكل نتيجة تعبئة قوات الاحتياط والأسلحة والمعدات، مما سيؤدي إلى زيادة الضرائب. إضاقة إلى ذلك ثمة خطر حقيقي يُنذر بهجرة رأس مال بشري نوعي من «إسرائيل»، مما سيؤدي إلى انخفاض كبير في الناتج المحلي الإجمالي ومستويات المعيشة. ولا يمكن إغفال احتمال فرض عقوبات اقتصادية من قبل الدول الأوروبية والشركاء التجاريين الرئيسيين. أكثر من ذلك يشير هؤلاء الاقتصاديين إلى أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى خفض التصنيف الائتماني، وزيادة أسعار الفائدة، وتراجع الاستثمارات، وهو سيناريو من شأنه أن يؤثر بشكل مباشر على سوق العمل والتعليم والصحة ورفاهية «الإسرائيليين».
وفي المقابل تدفع «اسرائيل» نتيجة هذه الحروب أثماناً أخرى كالمقاطعة المتنامية ضدها حول العالم: من ملاحقة السياح «الإسرائيليين» مروراً بالمظاهرات والمقاطعة الأكاديمية ووقف التعامل والحظر التجاري والعسكري والعزل السياسي إلى أوامر اعتقال بحق رئيس الحكومة ووزير الدفاع السابق، إضافة إلى تراجع قدرة «إسرائيل» على التصدير وتضرر مستوى التعليم الأكاديمي، فضلاً عن تخفيضات حادة في ميزانيات التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية، وتأثيرات ملحوظة على قطاعات حيوية مثل التكنولوجيا المتقدمة والبناء والعقارات نتيجة تراجع الأنشطة ونقص العمالة.
وفي نيسان الماضي قدّرت وزارة مالية العدو تكلفة 40 يوم من الحرب على إيران ولبنان بنحو 17.5 مليار دولار، منها 12.9 مليار دولار نفقات عسكرية مباشرة للحرب على إيران و«حزب الله»، وما بين 4.2 و4.5 مليار دولار تكاليف مدنية. ولا تشمل هذه التكلفة عملية إعادة الإعمار المرتقبة ولا تكلفة فقدان الناتج المحلي الإجمالي نتيجة الإغلاق الجزئي للاقتصاد خلال الحرب. كما توقعت وزارة مالية العدو إنفاق نحو 324 مليون دولار لتمويل خطة الإجازات غير المدفوعة للعمال الذين لا يتمكنون من الحضور للعمل ولتعويض السلطات المحلية.
أمام هذه التكلفة العالية للحروب التي تخوضها «اسرائيل»، يُطرح السؤال إلى متى يستمر الكيان الصهيوني في حروب تجره إلى هاوية إقتصادية ومالية واجتماعية، حروب لا طائل منها رغم الإصرار عليها من رئيس حكومة ينزف إجراماً؟

