لا يمكن قراءة مستقبل العلاقات العراقية ـ السورية بمعزل عن الجغرافيا السياسية التي حكمت البلدين لعقود طويلة ولا عن التحولات الأمنية العاصفة التي شهدتها المنطقة منذ العام 2003 في العراق ثم منذ العام 2011. في سوريا فإن الدولتان لا ترتبطان فقط بحدود تمتد لأكثر من ستمائة كيلومتر، بل تتقاسمان إرثا تاريخيا واجتماعيا واقتصاديا يجعل أمن كل منهما امتدادا مباشرا لأمن الآخر وأي اضطراب في إحدى الساحتين ينعكس تلقائيا على الساحة المقابلة
وفي الوقت الذي تدخل فيه المنطقة مرحلة إعادة تشكيل للتوازنات الإقليمية تبدو العلاقات العراقية السورية أمام اختبار بالغ التعقيد إذ تتداخل فيها كل الاعتبارات الأمنية مع الحسابات الطائفية وتتقاطع فيها المصالح الوطنية مع نفوذ القوى الإقليمية والدولية لتصبح العلاقة بين بغداد ودمشق واحدة من أكثر الملفات حساسية في الشرق الأوسط
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الحدود السياسية بين البلدين لم تعد تشكل حاجزا أمام انتقال التهديدات الأمنية فتنظيم داعش الإرهابي استطاع خلال فترة زمنية قصيرة أن يحول المناطق الصحراوية الممتدة بين العراق وسوريا إلى مسرح عمليات مفتوح مستفيدا من ضعف السيطرة الحكومية وتعقيدات البيئة المحلية ورغم هزيمة هذا التنظيم العسكرية الا أن البيئة الأمنية التي سمحت بظهوره لم تختف في الكامل وهو الأمر الذي يجعل التعاون الأمني بين بغداد ودمشق ضرورة إستراتيجية لا خيارا سياسيا.
ومن هنا فإن مستقبل العلاقات العراقية السورية سيظل مرتبطا بمدى قدرة الطرفين على بناء منظومة أمنية مشتركة وأن العراق يدرك أن أي فراغ أمني داخل الأراضي السورية ستكون له انعكاسات مباشرة على المحافظات الغربية وكما تدرك دمشق أن استقرارها لا يمكن أن يكتمل دون وجود شريك عراقي قادر على ضبط حدوده ومنع تدفق المقاتلين والأسلحة
عدا العامل الأمني هناك الانقسام الطائفي الذي أصبح أحد أبرز التحديات السياسية في المنطقة فقد ساهمت سنوات الحرب في إنتاج أستقطابات مذهبية حادة انعكست على بنية المؤسسات السياسية وعلى طبيعة التحالفات الداخلية والخارجية وهو ما جعل العلاقات العراقية السورية تخضع أحيانا لتفسيرات طائفية أكثر من خضوعها للمصالح الوطنية.
وفي العراق ما تزال الساحة السياسية تعيش حالة من التنافس بين قوى تنظر إلى العلاقة مع سوريا باعتبارها امتدادا لمحور سياسي إقليمي وبين قوى أخرى ترى ضرورة إعادة صياغة العلاقات الخارجية وفق مبدأ المصالح الوطنية بعيدا عن الاصطفافات الأيديولوجية وأما في سوريا فإن استمرار حالة عدم الاستقرار السياسي والعسكري يجعل من الصعب بناء علاقات طبيعية ومستقرة مع جميع الأطراف الإقليمية بما فيها العراق.
ان القراءة الواقعية تشير إلى أن المصالح المشتركة بدأت تتغلب تدريجيا على الاعتبارات الأيديولوجية خاصة مع تصاعد التحديات الاقتصادية والأمنية حيث أن العراق يحتاج إلى منفذ إستراتيجي نحو البحر الأبيض المتوسط عبر الأراضي السورية و كما تحتاج سوريا إلى الأسواق العراقية باعتبارها من أكبر الأسواق العربية القادرة على المساهمة في إعادة تنشيط الاقتصاد السوري في مرحلة ما بعد الحرب و كما أن مشاريع الربط التجاري وخطوط النقل والطاقة يمكن أن تشكل نقطة تحول في العلاقات الثنائية إذا ما توفرت الإرادة السياسية والبيئة الأمنية المناسبة ،اذا الاقتصاد غالبا ما يكون أكثر قدرة من السياسة على تجاوز الخلافات لأنه يقوم على المصالح المتبادلة لا على الانتماءات الأيديولوجية.
لكن لا يمكن تجاهل تأثير القوى الفاعلة إقليميا، في مستقبل العلاقة بين البلدين حيث أن إيران تنظر إلى العراق وسوريا باعتبارهما جزءا من منظومة أمنية مترابطة وبينما تسعى تركيا إلى تعزيز حضورها في الشمال السوري والعراقي لأسباب تتعلق بأمنها القومي والقضية الكردية وفي المقابل ما تزال الولايات المتحدة الأميركية تحتفظ بنفوذ عسكري وسياسي في أجزاء من شرق سوريا إضافة إلى تأثيرها في القرار العراقي وهو الأمر الذي يجعل العلاقات العراقية السورية محكومة أيضا في التوازنات الدولية.
و هذا التشابك في المصالح يجعل من بغداد لاعبا حساسا يسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين مختلف القوى الإقليمية إذ تحاول الحكومة العراقية اعتماد سياسة خارجية تقوم على مبدأ تصفير الأزمات وعدم الانخراط في الصراعات الإقليمية وهو ما يمنحها فرصة للعب دور الوسيط بدلا من أن تكون طرفا في النزاعات وفي المقابل فإن دمشق تنظر إلى العراق بوصفه أحد أهم المنافذ العربية التي يمكن أن تسهم في كسر العزلة السياسية والاقتصادية التي فرضتها سنوات الحرب والعقوبات الدولية ولذلك فإن تعزيز العلاقات الثنائية يمثل مصلحة إستراتيجية للطرفين و لكنه يظل مشروطا في استمرار الاستقرار الداخلي في العراق وتحسن البيئة الإقليمية وأما على المستوى المجتمعي فإن الروابط العشائرية والاجتماعية الممتدة بين البلدين تشكل عاملا إيجابيا يمكن استثماره في تعزيز الاستقرار و لكنها قد تتحول في الوقت ذاته إلى مصدر تهديد إذا أستمرت الجماعات الإرهابية المسلحة في استغلال هذه الامتدادات العابرة للحدود ولذلك فإن التنمية الاقتصادية للمناطق الحدودية تبقى جزءا أساسيا من أي إستراتيجية أمنية طويلة الأمد.
وقد يشهد المستقبل ثلاثة سيناريوهات رئيسية للعلاقات العراقية السورية :
السيناريو الأول ـ يتمثل في الشراكة الإستراتيجية حيث ينجح البلدان في تطوير التعاون الأمني والاقتصادي وإعادة تنشيط المعابر الحدودية وإطلاق المشاريع المشتركة في مجالات النقل والطاقة والاستثمار وهو السيناريو الأكثر فائدة للبلدين وللمنطقة.
السيناريو الثاني ـ فهو الاستقرار الهش الذي تستمر فيه العلاقات الرسمية دون تحقيق اختراقات كبيرة مع بقاء التنسيق الأمني في حدوده واستمرار التأثر في الصراعات الإقليمية.
السيناريو الثالث ـ عودة التوترات الأمنية نتيجة تصاعد الصراعات الطائفية أو عودة التنظيمات الإرهابية أو أتساع نطاق المواجهات الإقليمية وهو السيناريو الذي ستكون كلفته مرتفعة على الأمن الوطني العراقي والسوري معا.
إن القراءة الموضوعية تشير إلى أن العامل الحاسم في مستقبل العلاقات لن يكون الإنتماء الطائفي بقدر ما سيكون قدرة الدولتين على ترسيخ مفهوم الدولة الوطنية فكلما تعززت المؤسسات الرسمية وتراجعت هيمنة الفاعلين غير الحكوميين ازدادت فرص بناء علاقة مستقرة قائمة على المصالح المشتركة و يمكن القول إن مستقبل العلاقات العراقية السورية لن تحدده الشعارات السياسية ولا التحالفات المؤقتة بل ستحدده معادلة ثلاثية تقوم على الأمن المشترك والتنمية الاقتصادية والاستقلال النسبي في القرار السياسي مما سيؤسس لمرحلة جديدة من التعاون الإقليمي يسهم في تعزيز الاستقرار في المشرق العربي

