فضائح المونديال تضع المسابقة العالمية ومنظمة الفيفا على المحك

على أبواب نهائيات مسابقة كرة القدم (المونديال) في دورته الأخيرة يتأكد مرة جديدة أن السياسة دخلت في عمق الميدان الرياضي وخصوصاً ميادين كرة القدم من بابها العريض. مرة جديدة يتم التغاضي عن الأخطاء المرتكبة من لاعبي بعض الفرق «المحظوظة» ومن الحكّام الرياضيين ومن منظمة الفيفا نفسها وعلى رأسها جياني انفانتينو.   

 بعد عدد من المباريات وبداية إقصاء الفرق الخاسرة، تثير كرة القدم العالمية جدلاً واسعاً حول الفساد الذي يعصف بها مدعومة من الولايات المتحدة الأميركية ومن رئيسها دونالد ترامب. هذا الواقع يضع فعاليات المونديال 2026 وسط شكوك واسعة حول نزاهتها ومصداقيتها. حتى لنكاد نجزم أن ثمة عنصرية تسود قيادة هذه المنظمة العالمية التي يفترض وفق المبادئ التي قامت عليها أن تقرّب بين الفرق الرياضية ولاعبيها وجماهير مشجعيها، لا تفرقتها. 

منذ البداية تم التعاطي المهين مع الفريق الإيراني بشكل أظهر أن التعامل معه جاء وفق الظروف السياسية السائدة بين الولايات المتحدة وإيران، وسط مشاهدة العالم كله الإجراءات التي مورست بحقه. وبذلك «سُلبت» إيران الفوز وحُرمت من التأهل إلى الأدوار الإقصائية في بطولة كأس العالم، مما أدى إلى تعرض الفريق بأكمله للظلم.

ثم ظهر التدخل السياسي واضحاً جلياً في المباراة بين منتخبي الولايات المتحدة الأميركية والبوسنة حين تدخل الرئيس ترامب نفسه بمكالمة اجراها مع انفانتينو رئيس الفيفا لإلغاء البطاقة الحمراء التي رفعت بوجه الهداف فولارين بالوجون من المنتخب الأميركي، ووفق أصول لعبة كرة القدم، ليتم التراجع عنها وإعادة اللاعب الأميركي إلى الملعب الأخضر بقرار استثنائي من الفيفا. فضيحة البطاقة الحمراء هذه، هزت كرة القدم العالمية، وأظهرت أن ساكن البيت الأبيض «أنقذ» اللاعب الأميركي عن طريق انفانتينو، واعتبر كثيرون أن هذا التدخل السياسي غير مقبول. إلا أن تألق الفريق البلجيكي انتقم لهذا الإجراء المخالف لقانون كرة القدم، وسجل في مرمى الفريق الأميركي 4 أهداف لتخرج الولايات المتحدة من المونديال نهائياً. وبهذه الهزيمة، تبخرت آمال الأميركيين في الوصول إلى ربع النهائي لأول مرة منذ 24 عاماً، وعلى أرضهم.

والطامة الكبرى كانت في إلغاء هدف سدده المنتخب المصري في شباك منتخب الأرجنتين مما قاد إلى فوز هذا الأخير. ما حصل مع المنتخب المصري أشعل العالم وأثار ردود فعل مستنكرة وانتقادات حادة ليس في البلاد العربية فحسب، بل وسط الجماهير الواسعة ومدربي كرة القدم ورؤساء الأندية والمنتخبات العالمية. وكان مدرب مصر حسام حسن مثالاً للكرامة والعزة في المونديال حين أهدى تأهل منتخب بلاده إلى دور الـ 16 من كأس العالم 2026 للشعب الفلسطيني، ورفع العلم الفلسطيني في وسط الملعب. وحين خانه التحكيم في مباراة بلده مع الأرجنتين عندما كان يقترب من الفوز بالمباراة، شنّ حملة على التحكيم والتنظيم معتبراً أن منتخب بلاده «ظُلم بفعل فاعل، والأرجنتين لا تستحق الفوز»، كاشفاً أن منتخبه تعرّض لضغوطات داخل الملعب، وخارجه قبل انطلاق اللعب، مما كشف عن ممارسات تقترفها منظمة الفيفا تجعل نزاهتها مثار جدل وعدم ثقة وقلة مصداقية. وإلى أن تقترب فعاليات المونديال من خواتيمها، لا نعلم ما الذي سيرتكب من انتهاكات بعد.

في كل الأحوال، ومنذ انطلاق المونديال، سرت شكوك وانتقادات في موضوع اختيار 48 منتخباً للمشاركة في مسابقة كأس العالم بهدف زيادة عدد المباريات. ولأن نظام التصويت في منظمة الفيفا هو احتساب صوت لكل اتحاد، فإنه كلما زاد عدد المنتخبات المشاركة، كلما نسج انفانتينو علاقات أكثر وضَمِنَ إعادة انتخابه. وبالتالي من الطبيعي أن تقود صداقته مع الرئيس دونالد ترامب إلى جني أرباح أكثر. من هنا يُفهم ترشيح انفانتينو لترامب، مطلق الحروب في العالم، لجائزة نوبل للسلام. إلا أن كرة القدم هي مسألة جدية بنظر المعنيين بالرياضة في العالم، وبنظر الذين يصرحون بأن جياني انفانتينو بات يمثل وزناً أكبر من رجل سياسة، وأكبر من رئيس دولة، وأن كرة القدم مع الفيفا التي يرأسها انفانتينو صارت وسيلة دبلوماسية وجيوسياسية واقتصادية كبرى.

الواضح أن القيم الرياضية الكونيّة في هذا المونديال سقطت أمام السياسة وتدخلاتها. وثمة إجماع على أن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) انتهج معايير مزدوجة وتمييزاً صارخاً لا سيما ضد المنتخب الإيراني والمنتخب المصري.

الدليل الأكبر على تدخل السياسة بكرة القدم هو الكلام الذي صدر عن جوزيف بلاتر الرئيس السابق للاتحاد الدولي لكرة القدم والذي هاجم فيه إنفانتينو بشدة واصفاً سماح الفيفا بالتدخل السياسي في المونديال بالفضيحة، وأن إلغاء البطاقات الحمراء لا يتم عبر مكالمات هاتفية سياسية، بل يتم إلغاؤها وفقاً للوائح والأدلة وقرارات الهيئات المستقلة. وذهب إلى القول «إذا رفضت دولة مستضيفة السماح لأحد المحكمين بالدخول إليها، فهذه مشكلة خطيرة للغاية، وكان ينبغي ألا تقام كأس العالم في بلد كهذا».

ما جرى ويجري في المونديال لم يعد في إطار الرياضة، بل محاولة أميركية واضحة لمعاقبة الخصوم السياسيين بأساليب غير مستقيمة وكأنها تصفي حساباتها في الملاعب الرياضية.

والسؤال الذي يطرح نفسه بعد هذه الوقائع: إلى أين تتجه مسابقة كرة القدم العالمية مستقبلاً، وإلى أين تتجه الفيفا؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *