ثالثاً: مراحل إعادة النشوء
لا ينتقل المجتمع من التفكّك إلى الوحدة بقرار، لأنّ القانون لا يعرف القفزات، بل يعرف التقدّم والتدرّج والتوسّع؛ وهذا عند سعاده لا يحصل في السلطة ولا في الحدود، بل في الحياة المشتركة. ولذلك تمرّ إعادة النشوء بمرحلتين.
أولاهما: تعميقُ الحياة المشتركة داخل الكيانات القائمة. فهذه الكيانات، مهما كانت ظروف نشأتها، والحروب التي خيضت لتفتيتها من الداخل، تضمّ اليوم ملايينَ يشتركون في شبه حياةٍ واحدة، أو تتضمن عدة متحدات فيها ناس يشتركون في حياة واحدة. فهي بالتالي في المرحلة الراهنة متحداتٌ حيّة ينبغي أن تُستأنف فيها دورةُ النشوء لا أن تُعطَّل. والمطلوب ليس محاربةَ الهوية الكيانية، بل تطويرَها من الداخل: فكلّما اتّسعت المصلحة العامة، وقوي الوجدان الاجتماعي، وتراجعت العصبيات والولاءات الزبائنية، وتكاملت المتحدات داخل الكيان في حياة واحدة مشتركة قوية، اقترب الكيان من أن يصير متحداً أكثر حيوية. وبذلك لا يجب تكون الهوية الكيانية خصماً للهوية القومية، بل مرحلةً في تطوّرها.
وثانيتهما: إعادةُ وصل دورة الحياة بين الكيانات. فالمتحد الحيّ يميل بطبعه إلى الاتصال بغيره. والبداية ليست إزالةَ الحدود، بل إعادةَ بناء الحياة المشتركة بين المجتمعات المتجاورة في البيئة الطبيعية الواحدة: بالتكامل الاقتصادي، وشبكات النقل والمعرفة، والتعاون الجامعي والعلمي، والتفاعل الثقافي. فكلّما اتّسعت هذه الدائرة، اتّسعت المصالح، ثم الإرادة العامة، ثم الوجدان الاجتماعي الأوسع، فتقاربت البنى الفوقية، وتشكلت الهوية المشتركة، وصارت الوحدةُ نتيجةً لا مشروعاً مفروضاً.
فهل ينتهي القانون عند المجتمع–الأمة، أم أن العالم كله يمكن أن يصبح مجتمعاً واحداً أو أمة واحدة؟ سأل سعاده هذا السؤال، وأجاب بكلمتين: «من يدري؟». وفي الجواب درسٌ في المنهج: فهو لا ينفي ولا يؤكّد، بل يرفض أن تسبق النتائجُ شروطها. صحيحٌ أنّ التقنية قرّبت المسافات، لكنّها لا تختصر التاريخ؛ فالاتصال ليس اشتراكاً في الحياة. وقيامُ متحدٍ أوسع يحتاج إلى الشروط نفسها على مستوىً أرحب. فالباب مفتوحٌ للمستقبل، دون أن يحلّ الأملُ محلّ العلم والواقع الاجتماعي.
رابعاً: الحركة النهضوية — من نشر العقيدة إلى تفعيل الحياة
هل يكفي أن نعرف القانون ليعيد المجتمع نشؤه؟ كلّا. فالقوانين الاجتماعية لا تعمل في الفراغ؛ إنّها تحتاج إلى حركةٍ تجعل منها بوصلةً لعملها. ووظيفة الحركة النهضوية أن ترشد المجتمع إلى قانون نهوضه وتُزيل عوائقه، لا أن تحلّ محلّه. وهذا جوهرُ منهج سعاده القائل إنّ المبادئ هي «قواعدُ انطلاق الفكر» لا خواتيمه؛ فالوفاء للعقيدة ليس تكرارَ نصوصها، بل مواصلةَ التفكير انطلاقاً منها.
ومعنى ذلك، عملياً، أن ينتقل العمل من نشر العقيدة وإحياء المناسبات إلى تفعيل الاشتراك في الحياة. ولا يجري ذلك عبر أطرٍ تنظيمية مغلقة، بل عبر دوائرَ من المتحدات — جغرافيةٍ كالحيّ والمدينة والإقليم، وتخصصيةٍ كالمدرسة والجامعة والنقابة والمؤسسة الاقتصادية — تعمل على تعزيز الحياة الاجتماعية المشتركة لا بين أعضاء الحركة وحدهم، بل بين أهل المتحد جميعاً.
فدائرةُ الحيّ أو المدينة تنسج حياةً مشتركة بين أهلها عبر متحداتها التخصصية — مدرستِها ونقابتِها وتعاونيتها — ثم تتصل بدوائر المدن المجاورة في مشروعاتٍ وشبكاتٍ تتّسع تدريجياً، فينتقل الاشتراك في الحياة من الحيّ إلى الإقليم إلى الكيان. ثم تتفاعل هذه الدوائر فيما بينها، وتمدّ اتصالها إلى متحداتٍ أخرى مجاورةٍ وبعيدة، على ضوء وضوح الهوية الذي توفّره المبادئ والعقيدة؛ فتكون العقيدة بوصلةَ الاتجاه لا شعاراً يُرفع.
وفي قلب هذا العمل تقوم مهمةٌ حضارية كبرى: إدخالُ الأمة، بمتحداتها المحلية والكيانية والقومية، عصرَ المعرفة والإنتاج الحديث القائم عليها. فكما أراد سعاده أن يُدخل الأمة عصرَ الصناعة مع الربع الثاني من القرن العشرين، فإنّ مهمة النهضة اليوم أن تقودها إلى عصر المعرفة. ويكون ذلك في اتجاهين متلازمين: في تطوير أدوات العمل النهضوي نفسها بالوسائل الرقمية التي تربط المتحدات، وتنسّق جهودها، وتنقل خبراتها، وتقيس أثرها؛ وفي بناء تطبيقاتٍ اجتماعية وثقافية واقتصادية تجعل من التحوّل الرقمي مجالاً جديداً للاشتراك في الحياة — من شبكات المعرفة والتعلّم، إلى التعاونيات والإنتاج الرقمي، إلى المنصّات الثقافية الجامعة. فالتقنية إمّا أن تفتّت الحياة في استهلاكٍ منعزل، وإمّا أن توسّع دورتها المشتركة؛ ومهمة الحركة أن تجعلها أداةً لتوسيع الحياة لا لتذريتها، وجسراً يصل متحدات الأمة بعضها ببعض ويصلها بالعالم من موقع المنتِج لا المستهلِك.
وفي هذا الأفق تتحوّل المتحدات نفسها إلى عقدٍ في شبكةٍ واحدة للمعرفة: فالمدرسة والجامعة تصيران مركزَي إنتاجٍ معرفي متّصلين بمحيطهما، والمتحد الاقتصادي يقوم على التعاونيات الزراعية الحديثة المدعومة رقمياً، والصناعات المعرفية، والخدمات الذكية، والمتحد الثقافي يحفظ الذاكرة المشتركة ويجدّدها على منصّاتٍ حيّة. وبذلك لا يكون التحوّل الرقمي ترفاً تقنياً، بل رافعةً لإعادة النشوء: يوسّع دائرة الاشتراك في الحياة، ويربط المتحدات المتباعدة، ويمدّ العمل المركزي بما يحتاجه من معرفةٍ وقياسٍ وتنسيق.
خامساً: العمل المركزي والسياسي — تكاملٌ لا استبدال
وحتى لا يُفهَم هذا كلّه تنازلاً عن العمل السياسي، فالأمر على العكس تماماً. فإلى جانب العمل في المتحدات، يقع على مركز الحركة، في كلّ كيان، أن يصوغ خططاً ومشاريعَ مركزية تعزّز الاشتراك في الحياة الواحدة داخل الكيان، وأن يسنّ ما يلزم من تشريعات، ويقدّم المقترحات والمشاريع التي تقارب بين الكيانات المتعددة وتدفعها إلى التعاون والتكامل مع الوقت.
وهكذا يقوم العمل على مستويين متلازمين: عملٌ من فوق، مركزيٌّ وتشريعيٌّ وسياسي، على مستوى الحكومات والبرلمانات؛ وعملٌ من تحت، اجتماعيٌّ داخل المتحدات المحلية والإقليمية. والأول يرتكز إلى الثاني ويزخّمه، ويتكامل معه ويحمي إنجازاته، لا يحلّ محلّه؛ فالسلطةُ والتشريع يحميان مكاسب الحياة المشتركة ويوسّعان مداها، والعملُ الاجتماعي يمنح العمل السياسي مضمونه الحيّ.
أمّا اختزال العمل النهضوي بالنضال السياسي لمركز الحزب وحده، فيُحيل المتحدات إلى التقاعد، أو إلى مقاعد الانتظار، حتى لا تُذكَر إلّا في الاحتفالات الكبرى والانتخابات العامة. وحين تتكامل الجبهتان — جبهةُ الحياة في المتحدات، وجبهةُ السياسة والتشريع في مؤسسات دولة كل كيان — تصير الحركة شريكةً في التاريخ لا خصماً له: لا تواجه المجتمع، بل تعينه على اكتشاف قوانينه؛ ولا تصارع الواقع، بل تطوّره من داخله. وليست المهمة الكبرى أن نُقنع الناس بأنّهم أمة، بل أن نبني معهم الحياة التي تجعل الأمة تتجدّد، فتستأنف، في كلّ عصر، عمليةَ نشوئها من جديد.


