الحاضر ومخاطر المستقبل

عادت الحرب الى دورتها كما كان متوقع في الخليج وفي لبنان كما كان متوقع وذلك بعد استراحة قصيرة اعاد كل طرف فيها ترتيب اوراقه وتدقيق حساباته، فالجولة الاولى لم تكن حاسمة بالنسبة للولايات المتحدة واسرائيل اللتان لم تستطيعا تحقيق اهدافهما المعلنة، فيما استطاعت إيران تحقيق نظرية الانتصار بعدم الخسارة وبمنع اعدائها من تحقيق اهدافهم واضافت اليها مسالة مركزية بالغة الحساسية الا وهي السيادة على مضيق هرمز باعتباره مضيقاً ايرانياً لا دولياً ولا يخضع لقوانين المضائق اعالي البحار الدولية.

في اعادة التموضع و ترتيب الاولويات يمكن ملاحظة الدور التركي، فقد مارست تركيا دورا متوازن في الجولة السابقة من الحرب ان بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية وان بين المقاومة اللبنانية ودولة الاحتلال، فكان لتركيا دور مستقلا  على الرغم من عضويتها في حلف شمال الاطلسي، فدعمت و شاركت بالمبادرات الدبلوماسية الساعية لوقف الحرب، ومارست ضغوطا كانت ذات اثر في ضبط سلوك رجالها في دمشق وحالت دون استجابتهم للضغوط الإسرائيلية الأمريكية الدافعة لهم للمشاركة في الحرب على المقاومة اللبنانية دعما لإسرائيل واشعالا لنار الفتنة المذهبية.

لكنها تركيا الدولة التي تعي تماما مصالحها وتعرف ان التداعيات الحرب ستكون تأثير مباشر عليها، خاصة مع الاجماع في التقدير القائل ان الشرق الاوسط الذي سيكون في نهاية الحرب سيختلف في شكله وتركيبته عن محو قائم لها، وهو ما ستحكمه نتائج الحرب وموازين القوى في الاقليم، وما سيكون له تأثير مباشر على دور تركيا المتعاظم في سوريا والعراق وليبيا وشرق افريقيا.

يتواجد في الاقليم ثلاثة قوى مركزية لسنا من بينها وهي إيران وتركيا ودولة الاحتلال، لا ترى تركيا في إيران صديقا وانما منافسا لها، ولكنها في ذات الوقت ترى ان هزيمة إيران على يد الولايات المتحدة ودولة الاحتلال سوف تجعل منها الهدف الثاني والذي سيجعل من اسرائيل سيدة هذا الجزء من العالم، وان اسرائيل ستكون من القوة بمكان يجعلها قادرة على ان تتغول على المصالح الحيوية والامن القومي التركي وان هذا ان حصل فسيكون ميزان القوة قد اختل في غير صالحها.

قبل اسبوع عقدت في تركيا قمة حلف شمال الاطلسي التي وجدت فيها تركيا فرصتها المناسبة، فقد اظهر دونالد ترامب الانطباع بان هدفه الاساس من المشاركة في قمة حلف شمال الاطلسي كان لقاء الرئيس التركي الذي يفوق في اهميته اعمال القمة، وكأن القمة هي التي جاءت على هامش لقائه بالرئيس التركي، حيث ابدى كل منهم اعجابه بالآخر وبالغا في الاطراء المتبادل، واعلن عن تنفيذ صفقات تجارية وعسكرية وعن مواقفه على تزويد الولايات المتحدة لتركية  بطائرات ورفع للعقوبات التي كانت مفروضة على تركية, وكان الامر الاخر اللافت للنظر هو حضور احمد الشرع ( ابو محمد الجولاني سابقا ) الى لقاء كل من اردوغان وترامب، و اكدت الاخبار ان الرئيس الامريكي يريد دورا للشرع في لبنان لضرب المقاومة، وان الكابح التركي الذي حال سابقا دون ذلك  قد قبض الثمن ومنح الشرع حرية الدخول في الحرب على المقاومة الى جانب اسرائيل او بدلا منها.

قبل قرابة الشهر كان الرئيس السوري قد صرح بانه يتواصل بشكل مستمر مع الادارة الامريكية بالشأن اللبناني، وان لديه ما يكفي من الشجاعة لإعلان دخوله في أي صراع او مشاركته في حرب وبشكل علني فيما يقول الرئيس الامريكي عقب لقاءه بالشرع، ان الاخير هو من سيتولى ملف التعامل مع المقاومة اللبنانية وبطريقة مختلفة وأكثر دقة من الطريقة الاسرائيلية، وبهذا اخذ الشرع جرعة اضافية للشجاعة التي ثبت انه لم يكن لديه منها ما يكفي.

هنا يكمن الخطر والذي يتطلب حشد الطاقات لا عسكريا فحسب، فالحرب ليست ما يخيف، وانما الخوف من الطريقة المختلفة والاكثر دقة التي اوكلها الرئيس الامريكي لأحمد الشرع، وهي طريق الاقتتال الداخلي وإطلاق شياطين الطائفية والمذهبية من عقالها، هذا ما يتطلب حشد الطاقات المعرفية والفكرية؟،وهي مهمة ملقاة على عاتق النهضة وابنائها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *