ثمة التباس كبير لدى العديد من المفكرين والكتّاب العرب في فهم المقولة الشائعة هذه الأيام التي تقول ان العالم، أو جزءاً منه قد تحوّل إلى تجمعّات «فوق قومية». وهذا الالتباس، بالنسبة لي، خطير جداً، لأنه يفهم «ما فوق القومية» وكأنه مرادف ل «ما بعد القومية»، وشتان ما بين الاثنين من اختلاف جوهري.
فهم «ما فوق القومية» على أساس أنها مرادف ل «ما بعد القومية» يؤدي إلى استنتاج العديد من المفكرين وحتى القيادات العربية بأن عصر القوميات قد انتهى، وأننا انتقلنا إلى منظومات جديدة كالعولمة مثلاً، والتي، بالنسبة لهم، تلغي الطرح القومي، والعمل من أجل بناء دولة-أمة، أو دولة وطنية.
طبعاً هذا ما يريده الغرب الاستعماري، وما يتمناه، لأن العائق الوحيد أمامه هو المبدأ القومي/الوطني الذي يحفظ للشعوب حقها في أرضها ومواردها. وليس أدل من ذلك، ما يحصل حين شنت الولايات المتحدة الأميركية ومعها «إسرائيل» حرباً على إيران، ومحاولة الأولى انتزاع مضيق هرمز من يد إيران بحجة قوانين دولية سطّرها الغرب المهيمن لصالحه وصالح اقتصاده وازدهاره المادي.
مقولة «ما فوق القومية» تعني اتحادات كالاتحاد الأوروبي الذي يتألف من دول قومية عديدة ارتأت ان يكون لها مجلس مشترك يقرّر عن هذه الدول في مواجهة الدول الكبرى أو الامبراطوريات المهيمنة. ومن الجلي أن «الاتحاد الأوروبي» لا يلغي الدول القومية/الوطنية من جهة، ومن جهة أخرى، في حال وجدت احدى تلك الدول ان هذا الاتحاد لم يعد يؤمن مصالحها، فإنها تستطيع الانسحاب منه، وتعود إلى مصلحة دولتها «القومية/الوطنية» كما فعلت بريطانيا.
أما طروحات من مثل: لقد انتهى عصر القوميات، ونحن في عصر العولمة، وعلى الشعوب العربية تجاوز المفهوم «القومي/الوطني» والالتحاق بركب العولمة، فهو انتحار مطلق لوجود هذه الشعوب، ولاندثارها ضمن مجموعات دول-أمم تسيطر عليها. فإمبراطورية الولايات المتحدة الاميركية هي «ما فوق قومية»، أي انها قومية وزيادة، فإن خسرت هذه الزيادة وهذا التفوّق والسيطرة تعود إلى دولتها الوطنية ولا تتلاشى، بل تضعف، والفرق بين هاتين الحالتين يوازي الفرق بين الحياة والموت لشعب من الشعوب.
وما يزيد في الطين بلة ان المدارس والجامعات في الدول العربية قاطبة قد استقالت من مهمتها الأساسية الا وهي تربية نشئ وطني، فنجد أن هذه الدول تشتري الكتب المدرسية من الدول الغربية التي تعتبرها متفوقة، وتوزعها على المدارس، فما هي النتيجة؟
في القرن الماضي، ومع نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت الكتب المدرسية الاجنبية من تاريخ وجغرافيا وعلوم اجتماعية وسياسية تشدد على المفهوم القومي/الوطني والمصلحة الوطنية، لأن هذه الكتب كانت الكتب التي تُدرس في دول الغرب، وترسل تلقائياً إلى المدارس والجامعات الأجنبية المتواجدة في الدول العربية. لذلك الجيل العربي الذي نشأ في تلك الفترة، أي نهاية الحرب العالمية الثانية، نشأ على مفاهيم الدولة الوطنية وطالب وسعى لإيجادها على أرضه العربية. لكن، حين تحوّلت الدول الغربية إلى هيئات «ما فوق قومية» غيرّت مناهجها بما يتوافق مع تطلعاتها في الهيمنة على الأسواق والموارد العالمية، فأصبح اساتذتنا في العالم العربي يدرّسون هذه المواد ويستنتجون بأن العالم تغير وأصبح «ما بعد قومي» وهذا هو الخطأ القاتل الذي يصبو الغرب إلى ترسيخه في ادمغتنا.

