لم تكن العاصمة بغداد في تلك الليلة مدينة تعيش إجراءات أمنية اعتيادية ولم يكن انتشار القوات الخاصة وجهاز مكافحة الإرهاب والجيش العراقي حول المنطقة الخضراء مجرد استعراض للقوة أو تحركا أحترازيا فرضته معطيات أمنية طارئة، بل بدأ المشهد وكأنه إعلان رسمي عن انتقال الدولة العراقية إلى مرحلة جديدة في إدارة ملف الفساد وهي مرحلة تختلف جذريا عن سنوات طويلة بقيت فيها ملفات النزاهة حبيسة الأدراج أو أوراقا تستخدم في الصراعات السياسية أكثر مما تستخدم لتحقيق العدالة.
فإن الانتشار الأمني الواسع وإغلاق مداخل المنطقة الخضراء والمداهمات المتزامنة داخل العاصمة بغداد وباقي المحافظات وهي بذاتها كلها رسائل سياسية وأمنية وقضائية تحمل معنى واحدا أن الدولة قررت على الأقل وفق المعطيات الحالية الإنتقال من مرحلة التحقيق إلى مرحلة التنفيذ ومن الاعتراف إلى المداهمة ولطالما بقيت اعترافات المتهمين في قضايا الفساد مجرد معلومات تضاف إلى ملفات التحقيق دون أن تترجم إلى إجراءات حقيقية إلا أن التطورات الأخيرة تشير إلى تحول نوعي في طريقة التعاطي مع هذه الملفات
بحسب ما يتم تداوله فإن اعترافات وكيل وزارة النفط الأسبق عدنان الجميلي لم تتوقف عند حدود الإقرار الشخصي وإنما تحولت إلى خريطة كاملة لشبكات النفوذ التي امتدت داخل مؤسسات الدولة وهو الأمر الذي دفع القضاء إلى إصدار سلسلة من أوامر القبض بحق شخصيات سياسية وإدارية وأمنية بعضهم يتمتع بحصانات ونفوذ واسع. وهنا تكمن أهمية الحدث إذ إن القضية لم تعد مرتبطة بمتهم منفرد وإنما في منظومة متكاملة يعتقد أنها تشابكت فيها المصالح السياسية والاقتصادية والإدارية طوال سنوات.
وهنا كسرت الخطوط الحمراء حيث منذ العام 2003. أرتبط الحديث عن مكافحة الفساد بخطابات سياسية متكررة إلا أن التطبيق ظل يصطدم دائما بما يسمى الخطوط الحمراء حيث بقيت شخصيات نافذة بمنأى عن المساءلة بفعل الحصانات أو التوازنات الحزبية أو الضغوط السياسية و لكن إذا صحت المعلومات المتداولة حول شمول أعضاء في مجلس النواب ومسؤولين كبار بأوامر القبض فإن ذلك يمثل تطورا استثنائيا قد يعيد رسم العلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية والنخب السياسية وأن رفع الحصانة عن نائب أو ملاحقة مسؤول نافذ لا يحمل بعدا قانونيا فقط بل يبعث برسالة مفادها أن النفوذ السياسي لم يعد يشكل حصنا مطلقا أمام القضاء وهي رسالة طالما طالب بها الشارع العراقي منذ سنوات الاحتجاجات الأولى وحتى اليوم.
والسؤال لماذا الآن؟ وهو السؤال الأكثر حضورا في الأوساط السياسية هو لماذا جاءت هذه الحملة في هذا التوقيت تحديداً؟
هناك عدة احتمالات يمكن قراءتها سياسيا ومنها.
الاحتمال الأول ـ أن التحقيقات وصلت بالفعل إلى مرحلة أصبحت معها الأدلة كافية لإصدار أوامر قضائية وهو السيناريو الذي يمنح الحملة طابعا قانونيا بحتا.
الاحتمال الثاني ـ فهو أن الحكومة العراقية تسعى إلى استعادة ثقة الشارع عبر تقديم نموذج مختلف في مكافحة الفساد خصوصا بعد تراكم الانتقادات بشأن بطء الإصلاحات الاقتصادية والإدارية.
في حين يرى مراقبون أن الحملة قد تكون أيضا جزءا من إعادة ترتيب مراكز القوة داخل الدولة بحيث يتم تفكيك شبكات نفوذ تراكمت خلال السنوات الماضية وتمهيدا لإعادة بناء مؤسسات أكثر انضباطا.
ورغم اختلاف التفسيرات فإن النتيجة واحدة وهي العراق يشهد تحركات غير مسبوقة من حيث حجم الشخصيات المستهدفة وطبيعة الانتشار الأمني المصاحب له.
يمكن القول انها رسالة أمنية من خلال أختيار الجيش العراقي الباسل و جهاز مكافحة الإرهاب وقوات الفرقة الخاصة للمشاركة في تنفيذ أوامر القبض لم يكن تفصيلا ثانويا، بل ان هذه التشكيلات تعد من أكثر المؤسسات العسكرية انضباطا
ومهنية وغالبا ما تكلف في العمليات ذات الحساسية العالية ووجودها في قلب العملية يحمل أكثر من رسالة ومنها
أولا ـ أن الحكومة أرادت ضمان تنفيذ أوامر القضاء دون تدخل أو مقاومة من مراكز النفوذ.
ثانيا ـ أن الدولة كانت تتوقع احتمالية حدوث اعتراضات أو محاولات لإفشال عمليات الاعتقالات.
ثالثا ـ أن الملف لا ينظر إليه كقضية فساد مالية فقط، بل باعتباره قضية تمس هيبة الدولة وسيادة القانون.
أن ملف الفساد هو منظومة لا أفراد فقط و أكبر خطأ يمكن الوقوع فيه هو الاعتقاد أن الفساد في العراق يرتبط بعدد محدود من المسؤولين بل هو تحول إلى منظومة متكاملة تتداخل فيها السياسة مع الاقتصاد والمقاولات مع المناصب والعقود مع الولاءات الحزبية و لذلك فإن اعتقال شخصيات مهما كان حجمها لا يعني في الضرورة القضاء على الفساد ما لم تترافق تلك الإجراءات مع إصلاحات هيكلية تشمل منها إعادة بناء منظومة الرقابة و إصلاح التشريعات الخاصة في العقود الحكومية و حماية القضاء من الضغوط السياسية و ضمان استقلال هيئات النزاهة
وتعزيز الشفافية في إدارة المال العام وملاحقة شبكات غسل الأموال وتهريب الأموال إلى الخارج.
القضاء العراقي يقف اليوم أمام أحد أصعب اختباراته منذ عدة سنوات.
فإذا كانت أوامر القبض قد صدرت بالفعل استنادا إلى أدلة وتحقيقات مكتملة فإن المرحلة المقبلة ستكون أكثر حساسية لأنها تتعلق في المحاكمات وإثبات الوقائع وإصدار الأحكام وهنا ستكون الأنظار متجهة نحو مدى قدرة القضاء على الحفاظ على استقلاليته بعيدا عن الضغوط السياسية والإعلامية
النجاح الحقيقي لا يقاس بعدد المعتقلين وإنما بعدد الأحكام القضائية النهائية المبنية على الأدلة والقانون.
وهنا الشارع العراقي بين التفاؤل والحذر ولطالما أستقبل حملات مكافحة الفساد بمزيج من الأمل والشك لأن العراقيين يدركون أن الفساد كان السبب الرئيس في تعطيل التنمية واستنزاف الثروات ولأن تجارب سابقة انتهت بإغلاق الملفات أو تسويتها سياسيا أو إطلاق سراح المتهمين بعد فترة قصيرة ولهذا فإن الرأي العام لن يكتفي هذه المرة بصور الاعتقالات أو بيانات الحكومة، بل سينتظر النتائج النهائية هل ستستعاد الأموال؟ وهل ستصدر أحكام قضائية؟ وهل ستستمر الحملة دون تمييز؟
وهنا التحديات للمرحلة المقبلة إذا كانت هذه الحملة تمثل بداية لمسار طويل فإنها ستواجه تحديات كبيرة أبرزها:
مقاومة شبكات المصالح المتضررة والضغوط السياسية والإعلامية ومحاولات تسييس الملف
والحاجة إلى حماية الشهود المحققين وضمان عدم استغلال الحملة لتصفية الخصوم السياسيين من هنا فإن نجاحها لن يعتمد فقط على القوة الأمنية وإنما على قوة الأدلة القانونية واستقلال القضاء.
يمكن القول ان ما يجري يمثل لحظة فارقة في المشهد العراقي وأن الدولة وللمرة الأولى منذ سنوات تبدو وكأنها تحاول نقل ملف الفساد من دائرة الخطابات إلى دائرة التنفيذ ومن الأتهامات الإعلامية إلى ساحات القضاء، غير أن الحكم النهائي لن يصدر اليوم ولا بعد انتهاء المداهمات بل عندما تحسم القضايا داخل المحاكم وتستعاد الأموال المنهوبة ويشعر المواطن العراقي أن القانون أصبح يعلو على النفوذ وأن الدولة استعادت قدرتها على محاسبة الجميع بلا استثناء عندها فقط يمكن القول إن العراق يشهد بداية مرحلة جديدة تكتب فيها معادلة مختلفة عنوانها لا حصانة أمام القانون ولا حماية للفاسدين .
محمد المشهداني /بغداد

