لم يكن الأسبوع الماضي عادياً في جنوب سوريا، إذ حمل في طياته مؤشرات تتجاوز حدود الحوادث العسكرية المتفرقة لتشير إلى مرحلة جديدة من إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة.
فما شهدته محافظات درعا والقنيطرة، بالتوازي مع استمرار حالة الترقب في السويداء، يعكس تصاعداً في التنافس الإقليمي على جنوب البلاد، في وقت لا تزال فيه حكومة الجولاني غائبة عن التحرك لمواجهة التوغلات الصهيونية.
أبرز ملامح الأسبوع تمثلت في استمرار النشاط العسكري الصهيوني في المناطق الحدودية، من خلال توغلات برية وتحركات عسكرية متكررة، رافقها قصف واستهداف لمواقع مختلفة في الجنوب. ولا تبدو هذه العمليات مجرد إجراءات أمنية مؤقتة، بل تأتي ضمن استراتيجية إسرائيلية أوسع تهدف إلى فرض واقع ميداني جديد يوسع هامش حرية الحركة العسكرية، ويؤسس لشريط أمني غير معلن داخل الأراضي السورية، بما يمنع تمركز أي قوى يعتبرها العدو تهديداً مباشراً لأمنه كما يدعي مسؤولوه.
وفي المقابل، لا يزال الرد السوري غائباً تماماً، وهو ما يعكس خضوع دمشق وعدم جديتها في حماية المناطق الجنوبية، فالدخول في مواجهة مفتوحة مع دولة العدو الإسرائيلي في الظروف الحالية يحمل مخاطر كبيرة يهدد رضى الأمريكي على حكام دمشق الحاليين، خاصة مع استمرار الضغوط الاقتصادية والسياسية، الأمر الذي يدفع الحكومة المؤقتة للتذرع بإعطاء الأولوية لإعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز الاستقرار الداخلي، مع الاحتفاظ بحق الرد.
أما محافظة درعا، فما تزال تمثل الحلقة الأكثر هشاشة في الجنوب. فالمشهد الأمني فيها لم يصل بعد إلى مرحلة الاستقرار الكامل، مع استمرار وقوع حوادث أمنية متفرقة، وانتشار السلاح، ووجود شبكات محلية متعددة الولاءات. وتوفر هذه البيئة الهشة فرصة أمام مختلف الأطراف الإقليمية والدولية للتأثير في مسار الأحداث، الأمر الذي يجعل أي حادث أمني قابلاً للتحول إلى أزمة أوسع إذا ما توافرت الظروف السياسية لذلك.
وفي السويداء، بقي المشهد أكثر هدوءاً من الناحية العسكرية، لكنه لا يخلو من التعقيدات السياسية والاجتماعية. فالمحافظة لا تزال تعيش نقاشاً داخلياً حول شكل الإدارة المحلية، والعلاقة مع السلطة المركزية، ودور القوى المحلية في إدارة الأمن. ويعني ذلك أن الاستقرار في السويداء يبقى مرتبطاً بقدرة جميع الأطراف على إدارة الخلافات، ومنع استغلالها من قبل جهات خارجية تسعى إلى توسيع نفوذها في الجنوب.
ومن منظور أوسع، فإن ما يجري في جنوب سوريا لا يمكن فصله عن التحولات الإقليمية التي أعقبت الحرب الأخيرة بين إيران والكيان المحتل، ولا عن المساعي الصهيونية لإعادة صياغة البيئة الأمنية على حدود الجولان المحتل ومناطق الشمال في الأراضي المحتلة عموماً. كما يتقاطع مع محاولات دمشق استعادة سيطرتها على السويداء وإيلائها الأهمية على استعادة ما يتم اقتطاعه من قبل قوات الاحتلال، وسط توازنات دولية وإقليمية ما تزال تفرض قيوداً على جميع اللاعبين.
لذلك، فإن هذه الأحداث لا تبدو مجرد سلسلة من الوقائع الأمنية المتفرقة، بل تشكل مؤشراً إلى استمرار الصراع على مستقبل الجنوب السوري. فهذه المنطقة لم تعد مجرد مساحة جغرافية حدودية، بل أصبحت عقدة استراتيجية تتداخل فيها الحسابات العسكرية والسياسية والأمنية، ما يجعل أي تطور ميداني فيها قابلاً لأن ينعكس على مجمل المشهد السوري والإقليمي.
ويبقى السؤال الأهم في المرحلة المقبلة: هل ستبقى الحكومة السورية المؤقتة صامتة أمام كل هذه الاعتداءات وكأنها لا ترى ما يجري رغم أن رموز هذه الحكومة كانوا يرفعون شعارات الجهاد لتحرير فلسطين ويعيبون على نظام الأسد احتفاظه بحق الرد على الاعتداءات الصهيونية التي لم تصل يوماً إلى حد التوغل البري حتى في أضعف حالاته، وهل يمكن أن نشهد وجود الة مقاومة شعبية أم أن الفزعات الطائفية ستبقى الأولوية لدى الشعب السوري أمام خسارة قراهم الجنوبية يوماً بعد يوم.
سومر الفيصل

