أوقعت مذكّرة التفاهم «الأميركي- الإيراني»، التي وُقّعت عشيّة مجالس عاشوراء، الكيانَ الصهيوني في شرّ أوهامه المتراكمة منذ بدء إنشاء هذا الكيان انطلاقًا من شعار أننا باقون إلى يوم القيامة، رغم أنه زُرع في أرضنا نتيجة زواج غير شرعي بين بريطانيا العظمى والوكالة اليهودية في بداية القرن العشرين، وها هو سيستعدّ منذ الآن إلى لملمة أساطيره وأوهامه والانتقال إلى أماكن أخرى في العالم.
وإذا كان الكيان الصهيوني قد وجد نفسه خارج غرفة التفاوض المباشرة بين واشنطن وطهران، فإنّ حالة التصادم «الممسرحة» بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو، فقد تحوّل وضع الحليفين على مسارين غير تصادميين، كما يروج في وسائل الاعلام. فترامب يريد وقف الحرب ومنع انفجار إقليمي أوسع، بينما يخشى نتنياهو أن يؤدّي الاتفاق إلى تثبيت مكاسب إيرانية وتأجيل معالجة القضايا الأكثر خطورة بالنسبة لكيانه الاستيطاني. وها هو نتنياهو، وعلى عكس التوقعات بتوقف الحرب، يُسعّر الجبهة اللبنانية، ولكن المقاومة انتظرته، وقد نبتت في كلّ دسكرة وقرية وحي من أرض الجنوب.
وهكذا، يتضح أنّ الاتفاق حمل منذ لحظته الأولى تناقضًا بنيويًّا: واشنطن تريد تهدئة تقود إلى تسوية، والكيان الصهيوني يريد تسوية لا تمنعه من استخدام القوة متى أراد. وبين هذين المنطقين، تتشكّل أزمة الثقة التي قد تقرّر مصير الاتفاق.
ولكن هل يصمد الاتفاق الأميركي الإيراني أمام تضارب المصالح بين ترامب ونتنياهو، أم يترنّح تحت ضربات المواجهة في الجنوب اللبناني؟
لقد غاب عن ذهن نتنياهو أن الشعب الإيراني الضارب في جذور التاريخ والحضارة والغنيّ بالتراث الكربلائي، لا ينحنِي أمام المواجهة، بل بينه وبين الشهادة حالة عشق ربّانية أبدية.
مهارة دبلوماسية في التفاوض
في الأثناء أظهرت القيادة الدبلوماسية الإيرانية، بتوجيه من قائد الثورة الإسلامية السيد مجتبى خامنئي، مهارة ديبلوماسية فائقة في وجه الأخطبوط الأميركي الذي نظر إلى الاتفاق مع طهران بوصفه ضرورة سياسية وأمنية، فإنّ استمرار الحرب يهدّد المصالح الأميركية في الخليج، كما يهدّد أسواق الطاقة الدولية عبر مضيق هرمز. إضافة إلى ذلك، لا يريد ترامب أن يظهر أمام الداخل الأميركي وكأنه غارق في حرب طويلة جديدة في الشرق الأوسط، خصوصًا أن جزءًا من قاعدته الانتخابية المحافظة يعارض الانخراط العسكري المفتوح.
ولكنّ الحرب لا تنتهي دائمًا بالطريقة التي يتوقعها من يبدأها. فنتنياهو كان يراهن على أن الضربات الأميركية الصهيونية ستقود إلى إضعاف الجمهورية الإسلامية الإيرانية وربّما إسقاطها، أو على الأقل إلى تفكيك برامجها النووية والصاروخية وإضعاف أذرعها الإقليمية. أما ترامب، فبدا بعد أشهر من التصعيد أكثر ميلاً إلى تحويل الضغط العسكري إلى اتفاق سياسي، يتيح له إعلان إنجاز دبلوماسي والانسحاب من الحرب.
هذا التحوّل مسّ بصورة نتنياهو داخليًّا. فقد بنى جزءًا كبيرًا من خطابه السياسي على فكرة أنه الزعيم الأقدر على التعامل مع ترامب، والأكثر قدرة على انتزاع الدعم الأميركي.
لقد تحوّلت العلاقة من تحالف ظاهر في الحرب إلى خلاف واضح في التسوية. وهذا ليس تفصيلاً عابرًا، لأنّ الحروب غالبًا ما تختبر التحالفات عند لحظة الخروج منها أكثر مما تختبرها عند لحظة الدخول إليها، خصوصًا وأننا في منطقة تتحرّك فيها الحروب بسرعة أكبر من المفاوضات، وقد لا يحتاج الاتفاق إلى إعلان فشل رسمي كي ينهار؛ فقد تكفي ضربة واحدة في بيروت، أو ردّ واحد من طهران، أو مكالمة غاضبة بين ترامب ونتنياهو، ليبدأ مسار الترنّح من جديد.
المصالح الإيرانية الخليجية
الجهة الأخرى التي وقعت في شرك «الإبراهيمية» ووهم الحماية كانت دول الخليج العربية التي اكتشفت أنّها لم تكن أكثر من دول «كركوزية» هشّة، وأن وجود القواعد الأميركية والتطبيع الصهيوني فّرض عليها بوهم الحماية من الخطر الإيراني، وتبيّن أن الخطر كان نابعًا من وجود تلك القواعد وذلك التطبيع.
المعضلة الكبرى أمام دول الخليج الآن لا تكمن في العثور على حامٍ خارجي جديد، بقدر ما تكمن في إعادة تخيّل البيئة الأمنية المحيطة بها على أسس أكثر استقلالاً وواقعية. فالجوار مع إيران حقيقة جغرافية وسياسية ثابتة، في حين أنّ التزامات القوى الكبرى تظلّ، مهما بدت راسخة، عُرضة للتبدّل تبعًا لتحولات الداخل وحسابات الكلفة والعائد. وأن التفكير في مستقبل الخليج لم يعد يحتمل الاكتفاء بمنطق الحماية المستوردة، بل يقتضي الانتقال إلى تصور أكثر نضجًا يوازن بين القدرة الذاتية، والتفاهمات الإقليمية، والعلاقات الخارجية التي تضبطها المصلحة المتبادلة لا التبعية المزمنة. وقد بدت تجربة إدارة دونالد ترامب مجرد عارض أميركي عابر، بل تكشف عن ميل أوسع في السياسة الدولية إلى إخضاع الالتزامات الأمنية لمنطق المراجعة وإعادة التسعير والضغط.
ولهذا نرى أن معالجة الهشاشة الأمنية الخليجية لا تكون فقط عبر استبدال الحامي الخارجي بحامٍ آخر، بل عبر رفع مستوى القدرة الذاتية داخل الإقليم نفسه. وفي هذا السياق، يبرز خيار التكامل الدفاعي الخليجي الإيراني باعتباره خطوة تأسيسية لا غنى عنها، تبدأ بإنشاء منظومة موحّدة للدفاع بدلاً من التشتّت الحالي الذي يجعل كل دولة تعمل بمنظومات منفصلة مرتفعة الكلفة ومحدودة الكفاءة عند مواجهة التهديدات المركبة. بمعنى أن مستقبل الأمن الخليجي لا يمكن أن يُبنى على خيار واحد أحادي، سواء تمثّل ذلك في استمرار المظلة الأميركية بصورتها التقليدية أو في مجرد الرهان على تنويع الشركاء الخارجيين.
كما أن الحماية الأميركية، حين تستمر، لا تكون مجانية سياسيًّا أو ماليًّا، بل ترتبط في العادة بطلبات متزايدة تتصل بصفقات السلاح، والتموضع السياسي، وتوفير الدعم اللوجستي والمالي في صراعات أوسع، وربما بفرض أجندات سياسية لا تنسجم بالضرورة مع أولويات دول الخليج نفسها.
فحين ترتبط استمرارية الغطاء الأمني بقبول ترتيبات سياسية محددة، أو بالانخراط في مشاريع إعادة هندسة إقليمية لا تحظى بإجماع داخلي خليجي، مثل التطبيع مع الكيان الصهيوني، تصبح الحماية نفسها مدخلاً لإعادة تشكيل القرار السيادي للدول المعنية. ومن هنا، تبرز إشكالية «الحماية المشروطة»، حيث لا يكون التهديد الحقيقي فقط في احتمال الانسحاب الأميركي، بل كذلك في استمرار الحماية بصيغة تجعلها وسيلة ضغط سياسي دائم.
إن بناء منظومة أكثر توازنًا لا يمكن أن يتمّ بالقفز فوق الواقع، بل عبر تدرّج محسوب يراكم المصالح المشتركة ويحوّل خفض التوتر من شعار دبلوماسي إلى مصلحة عملية ملموسة.
يقوم هذا الاستنتاج على ثلاث حقائق يصعب تجاوزها:
أولاً، إنّ الجيران يظلّون في الجغرافيا مهما تبدّلت خرائط التحالف.
ثانيًا، إنّ الأمن المستورد يظل هشًّا لأنه معقود، في نهاية المطاف، على إرادة خارجية لا يمكن التحكّم بها على نحو كامل.
ثالثًا، إنّ الإقامة الطويلة في مناخ سباق التسلّح والمواجهة المفتوحة تستنزف الموارد وتؤجّل أولويات التنمية والاستقرار الاجتماعي. لذلك فإن القيمة الحقيقية لأيّ تصور أمني ناجح، مع إيران تحديدًا، تُقاس بقدرة الجهتين على نقل التنافس من حافّة الصدام المفتوح إلى مجال تضبطه القواعد وتؤطره المؤسسات وتحكمه المصالح المتبادلة.
وربما يكون من المناسب، في مرحلة لاحقة، تطوير منتدى أمني إقليمي أوسع يشمل تركيا ومصر وباكستان ويشكّل إطارًا للحوار والتشاور ويساعد على تهيئة شروط الدمج التدريجي لكل من في المنطقة ضمن مقاربة متعدّدة المسارات قائمة على المصالح المشتركة والواقعية السياسية.

