في ثمانينات القرن الماضي كتب أحد المفكرين السياسيين الاسرائيليين، الدكتور ميرون بن فنستي بحثا عن مستقبل الصراع في فلسطين محذراً مما اسماه في حينه القنبلة الديموغرافية اذ قادته البيانات الاحصائية إلى إدراك ان عدد الفلسطينيين داخل دولة الاحتلال في تزايد كبير فيما عدد اليهود في تناقص لم تستطع ان تساعد على رفع نسبته فكرة استقدام مستوطنين جدد من الاتحاد السوفيتي او حتى من اثيوبيا.
اثارت ابحاث بن فنستي هذه عاصفة سياسية لم تهدأ داخل الوسط السياسي في دولة الاحتلال ولا زالت مفاعيلها نشطة حتى اليوم اذ أصبح الوجود الفلسطيني غرب نهر الاردن يحتل الأولوية في النظر إلى الامن القومي بدلا من النظر إلى الاخطار القادمة من دول الطوق التي اما اصبحت مطبعة وبينها وبين الاحتلال معاهدة سلام او في الطريق إلى ذلك، باعتبارها كانت الخطر الاكبر او كما يتم النظر إلى إيران مؤخراً.
في 28 تشرين اول القادم ستجري الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية الاكثر اثاره للجدل، والتي طالما انتظرنا الانتخابات منذ عام 1948 باعتبارها ستحدد سلوك هذا العدو لأربع سنوات قادمه مع ان التجارب قد اثبتت ان النتيجة واحدة ان استطاع هذا الفريق او ذاك تحقيق الأغلبية البرلمانية التي تسمح له بتشكيل حكومة فمنهم من يريد قتلنا وازهاق ارواحنا واراقة دماءنا بالطرق الخشنة القاسية فيما اخرون كانوا يفضلون الخنق وازهاق الارواح بقطع النفس دون مظاهر الدم وبقفازات من حرير.
في خرائط السياسة اليوم لم يعد لدى دولة الاحتلال من يرتدي قفازا من حرير جميعهم يحملون الخناجر والسكاكين وأصبح الدم الفلسطيني والارض الفلسطينية هما الصوت الذهبي في صندوق الانتخابات، جميعهم متفقون على ان لا حقوق للفلسطينيين ولا دولة فلسطينية حتى ولو كانت منزوعة من كل اشكال السيادة
وعناصرها، هزيلة ضعيفة ومن صنعهم وتدبيرهم، ولا حقوق للفلسطينيين بالقدس او بالمياه او بالحدود ولا ازالة للمستوطنات وما على الفلسطينيين الا ان يعيشوا بمعازل تتسع او تضيق حسب الفريق الذي سيفوز بالانتخابات.
الفريق الحاكم اليوم يرى ضرورة ضم الضفة الغربية بكاملها وتسريع الاستيطان في كل مناطقها فيما يرى اخرون ان هذا الضم يعبر عن سياسة متسرعة اذ سيكون عدد كبير من الفلسطينيين الذين لن يغادروا بلادهم يعيشون في هذا الحيز وفي هذا عودة إلى فكرة القنبلة الديمغرافية لذلك يكتفون بضم مناطق (جيم) وهي التي تمثل 61% من اراض الضفة الغربية، ولكن يعيش بها اقل من 5% من مجموع السكان، فريق ثالث يرى ان لا دولة للفلسطينيين وكل ما يمكن ان يحصلوا عليه هو حكم ذاتي محدود على قطعة صغيرة من الضفة الغربية.
وإذا كانت المواقف المتطرفة للمرشحين لرئاسة الحكومة هي من يغذي صندوق الانتخابات وهو محل اتفاق فيما بينهم جميعا، ولكن ميادين الخلاف تدور حول مسالة الامن القومي وضمان بقاء الدولة وهي مسالة اصبحت موضع شك لدى كثير من العقول السياسية والاستراتيجية في تل ابيب، وحول الفساد وشخص رئيس الحكومة الحالي وحول استقلالية الجهاز القضائي ومشكلة تجنيد اليهود المتدينين (الحريديم) الذين يأخذون الكثير من منافع الدولة ولا يقدمون الخدمة الإلزامية في الجيش الاسرائيلي.
يبقى العامل الحاسم في الانتخابات وهو امر تقر به سرا او علنا كل التجمعات السياسية والاقتصادية والأمنية في دوله الاحتلال الا وهو موقف الولايات المتحدة فإسرائيل الدولة ليست قوية بذاتها وانما قوية بما تملك من دعم الامريكي ومن تهافت فلسطيني وقومي وعربي.


