السرديات الإعلامية المعادية وتعطيلها ممارسة الحق القومي في الحياة

عندما يفقد السياسي هويته القومية الحقيقية، ويستبدلها بهوية مصطنعة يختلقها لخدمة مصالحه الفردية أو مصالح القوى الأجنبية التي ترعاه، سواء أكانت هوية كيانية أم دينية أم مذهبية أم فئوية، تختلط المفاهيم وتضطرب المعايير، وتدخل الأمة في فوضى الانتماءات الجزئية والمتناحرة. وعندئذ يتحول بعض السياسيين وغير السياسيين من أصحاب المصالح الضيقة إلى تجار للوطنية، يتاجرون بالانتماء كما يتاجر غيرهم بالسلع، فيصبح الوطن وسيلة نفعية لا انتماء وجودي وما يتضمن من قيم انسانية عليا، وتغدو الهوية مادة للاستثمار السياسي لا رابطة جامعة لأبناء الأمة.

وفي ظل هذه الحالة، تضعف إرادة الرفض والمقاومة، وتقوى نزعات الاستسلام والتكيف مع الأمر الواقع، ويصبح الشعب أكثر قابلية لتصديق السرديات الإعلامية المعادية. بل إن بعض الذين احترفوا التجارة السياسية من أبناء الشعب يلتقون، عن وعي وإدراك، مع مخططات العدو اليهودي والسياسات الأميركية في المجال الإعلامي، فيسهمون في تسويق الروايات التي تبرر الحروب والاعتداءات وتمنحها المشروعية الأخلاقية والسياسية. أما البعض الآخر فينساق وراء تلك السرديات من غير وعي، نتيجة فقدان المعايير السليمة للقياس والحكم، بفعل حالة التشرذم التي أصابت المجتمع، والتي تعود أسبابها إلى تراكمات تاريخية وسياسية معروفة، بدءاً من التقسيمات التي فرضتها اتفاقية سايكس ـ بيكو، مروراً بدور بعض رجال الدين في تغذية العصبيات المذهبية وتعميق الانقسامات بين أبناء المذهب الواحد قبل غيرهم من أبناء المذاهب الأخرى.

لقد أغرق العدو اليهودي والإدارة الأميركية، ومعهما قطاعات واسعة من الإعلام الأجنبي والعربي، الرأي العام بسردية تقوم على تصوير كل العمليات العسكرية التي تنفذها المؤسسة العسكرية للكيان المسخ الذي أنشأته الهجرات اليهودية المنظمة إلى بلادنا، على أنها أعمال دفاع عن النفس أو دفاع عن اليهود. وصُورت عمليات المقاومة على أنها أصل المشكلة، بينما جرى تغييب حقيقة الاحتلال والاغتصاب التاريخي للأرض. كما صور العدوان التدميري الواسع على لبنان وكأنه نتيجة طبيعية لإسناد المقاومة في لبنان لشعبنا في فلسطين الذي يتعرض للقتل والتدمير في فلسطين، بدلا من النظر إليه باعتباره امتدادا لمشروع عدواني قائم بذاته.

وهكذا ينساق المواطن وراء هذه السردية، ناسيا أن الشعب المقيم في فلسطين وأبناء الامة السورية هم أبناء أمة، واحدة، ونسيج اجتماعي واحد. وينسى أن آلة عسكرية متوحشة تفتك منذ عقود بشعبنا في فلسطين ولبنان والشام وكل الامة، وأن فلسطين لم تكن أرضا بلا شعب. كما يغيب عن الوعي أن المشروع اليهودي لم ينشأ بصورة طبيعية، بل جاء وزرع ببلادنا مدعوماً من القوى الاستعمارية

وكذلك ينسى أن جيش الاحتلال اليهودي اجتاح لبنان واحتل أجزاء واسعة منه لسنوات طويلة. فإذا كان دخوله لبنان قد برر أنذاك بوجود منظمة التحرير الفلسطينية، فإن السؤال المنطقي الذي ينبغي طرحه هو: لماذا استمر الاحتلال بعد خروج المنظمة من لبنان؟ وما المبرر لبقاء القوات المحتلة في الجنوب اللبناني سنوات طويلة بعد زوال الذريعة التي رفعتها أساسا لتبرير الاجتياح؟ كما ينسى أن الجولان ما زال محتلا حتى اليوم، وأن الاحتلال لم يتخل يوما عن أطماعه التوسعية.

إن الرأي العام الذي تشكل وعيه على أسس هوية وهمية، بفعل تجار السياسة وأعوانهم، ينتهي به الأمر إلى تصديق سرديات تجعل مقاومة الاحتلال جريمة كبرى وخيانة عظمى تستوجب العقاب، فقط لأن هذه المقاومة قد تتحول ـ بحسب زعمهم إلى ذريعة لشن الحروب. لكن السؤال الجوهري يبقى أليس هذا الكيان كيان احتلال في الأصل؟ وهل عرف في التاريخ احتلال يواجه بغير المقاومة؟ وكيف أمكن لهذه السرديات أن تمحو من أذهان البعض أبسط مبادئ السيادة والاستقلال والحقوق القومية، وأن تحرف مفهوم الحرية حتى بات بعض الناس يجاهر بحق المحتل في قتل أبناء شعبنا كي ينعم هو بالأمن والهدوء؟

لقد أصبحنا نشهد أبناء من شعبنا يتجادلون بحدة حول عملية طوفان الأقصى، وحول حق المقاومة الفلسطينية في القيام بها، وحول مشروعية عمليات الإسناد التي قامت بها المقاومة في لبنان دعما لشعب في فلسطين، مستندين إلى الرواية اليهودية والأميركية السائدة في معظم وسائل الإعلام، بينما يغيب عن أذهانهم السؤال الأساس: كيف جاء المشروع الصهيوني إلى أرضنا؟ وكيف تحول صاحب الأرض إلى متهم؟ ولم يعد الخلاف قائما على الوسائل فحسب، بل امتد إلى تعريف الحق نفسه.

أما السردية الأخطر التي تتمسك بها بعض القوى السياسية في لبنان، فهي الزعم بأن سبب أزمات لبنان ومصائبه هو المقاومة وسلاحها، وأن أصل المشكلة يكمن في عداء شعبنا للعدو اليهودي. وهنا يحق لنا أن نسأل هؤلاء الساسة هل العدو اليهودي عدو أم صديق؟ وهل فلسطين لشعبنا أم لليهود؟ وهل لبنان لشعبنا أم لليهود؟ وهل الجولان وجبل الشيخ ودرعا أرض لشعبنا أم للمحتل؟

أليس سكان فلسطين والشام وجنوب لبنان، وفق هذا الفهم لموقع لبنان العربي الانتماء كما ينص دستوره، أبناء فضاء حضاري واجتماعي وتاريخي واحد ، وامة واحدة؟ وأليس من الطبيعي أن يشعر أبناء الأمة الواحدة بمسؤولية مشتركة تجاه قضاياهم المصيرية الكبرى؟

كفى تزويرا للحقائق ولترحل الحكومات العميلة للأجنبي،  

محمد عواد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *