ليس من المبالغة القول إن المأساة التي عاشتها سوريا الطبيعية خلال القرن الماضي لم تكن نتيجة ضعف مواردها أو فقر شعوبها أو تخلف موقعها الجغرافي، بل كانت في جانب كبير منها نتيجة أزمة هوية سياسية وفكرية دفعت أثمانها أجيال متعاقبة من أبناء الهلال الخصيب.
ففي الوقت الذي كانت فيه الأمم الحية تبحث عن أسس واقعية لبناء دولها الحديثة، كانت بلادنا تُدفع نحو مشاريع أيديولوجية ضخمة رفعت شعارات براقة، لكنها عجزت عن إنتاج دولة مستقرة أو مجتمع متماسك أو نهضة حقيقية.
لقد جاءت القومية العربية بصيغتها السياسية الحديثة لتقول إن الأمة العربية تمتد من المحيط إلى الخليج، وإن اللغة وحدها كافية لصناعة وحدة سياسية شاملة. ثم جاء الإسلام السياسي ليقول إن الانتماء الديني يعلو فوق الدولة والوطن والحدود. وبين المشروعين ضاعت الحقيقة الأساسية: أن الأمم لا تُبنى بالشعارات، بل بالتاريخ المشترك والمصالح المشتركة ووحدة الحياة الاجتماعية والاقتصادية.
لقد دفعت سوريا الطبيعية ثمناً باهظاً لهذا الانفصال عن الواقع. فبدل أن تتجه الطاقات نحو بناء دولة حديثة في الهلال الخصيب، جرى استنزافها في معارك أيديولوجية طويلة. وبدل أن تكون دمشق وبيروت وحلب والموصل وبغداد مراكز مشروع نهضوي متكامل، تحولت المنطقة إلى ساحات صراع مفتوح بين هويات متنافسة أكثر مما هي مشاريع بناء وتنمية.
إن التجربة التاريخية للقومية العربية السياسية لم تحقق وعودها الكبرى. فعلى الرغم من عقود من الخطابات والشعارات، بقيت الوحدة العربية حلماً مؤجلاً، بينما ترسخت في الواقع كيانات قطرية أكثر تماسكاً من المشروع الوحدوي نفسه. والأسوأ أن بعض الأنظمة التي رفعت شعارات الوحدة والحرية تحولت إلى أنظمة مغلقة أعادت إنتاج الاستبداد بصيغ جديدة.
أما الإسلام السياسي، فقد قدّم نفسه بوصفه بديلاً نهضوياً، لكنه اصطدم بواقع الدولة الحديثة المتعددة المكونات. ومع تحوله إلى مشروع سلطة، دخل في صراعات داخلية حادة، وبدلاً من أن يكون عامل توحيد، أصبح في كثير من السياقات عامل انقسام إضافي داخل المجتمعات.
وإذا نظرنا إلى العراق وسوريا ولبنان خلال العقود الأخيرة، نجد مشهداً متكرراً: دول منهكة، اقتصادات ضعيفة، انقسامات اجتماعية حادة، وهجرة واسعة للكفاءات. وهو ما يكشف أن الأزمة لم تكن في الحدود بقدر ما كانت في تصور الهوية والدولة معاً.
إن قوة سوريا الطبيعية تاريخياً لم تكن في التشابه، بل في قدرتها على إدارة التنوع داخل إطار حضاري واحد. فهذه المنطقة كانت دائماً ملتقى حضارات: من الآراميين والكنعانيين والفينيقيين إلى التفاعل العربي-السرياني-الكردي-الأرمني اللاحق. لكن هذا التعدد تحول من مصدر غنى إلى مصدر صراع عندما فُرضت عليه أيديولوجيات تختزله أو تتجاوزه بالكامل.
في هذا السياق برزت أطروحة الفكر الذي قدمه أنطون سعادة، والتي أعادت تعريف الأمة على أساس وحدة الأرض والتاريخ والمجتمع والمصالح الحيوية، لا على أساس اللغة وحدها أو الدين وحده. وقد شكّل هذا الطرح محاولة لإعادة قراءة مفهوم الأمة السورية خارج الإطارين العربي والإسلامي السائدين.
لكن بغض النظر عن تقييم هذه الأطروحات، يبقى الثابت أن الهلال الخصيب دفع ثمناً كبيراً نتيجة صراعه الطويل بين مشاريع هوية كبرى لم تنجح أي منها في إنتاج دولة مستقرة جامعة.
بين الماضي والحاضر: سؤال الدولة في سوريا اليوم
وإذا كان القرن الماضي قد شهد صراعاً بين العروبة السياسية والإسلام السياسي على أرض سوريا الطبيعية، فإن السؤال المطروح اليوم هو: هل تتجه سوريا نحو الخروج من هذه الحلقة التاريخية المغلقة، أم أنها تستعد لإعادة إنتاجها بأشكال جديدة؟
إن التحولات التي شهدتها سوريا في السنوات الأخيرة لم تؤدِّ تلقائياً إلى ولادة مشروع وطني جامع. فالدولة لا تُبنى بمجرد سقوط سلطة، بل تحتاج إلى رؤية واضحة للهوية السياسية والاجتماعية والاقتصادية. والخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الانقسامات السياسية، بل في استمرار محاولات إعادة إنتاج مشاريع فوق وطنية أو ما دون وطنية على حساب فكرة الدولة الجامعة.
لقد أثبتت التجربة أن الشعارات مهما كانت جذابة لا تستطيع أن تحل مكان الدولة، وأن المجتمعات لا يمكن أن تستمر على التعبئة الأيديولوجية إلى ما لا نهاية. فغياب المؤسسات القوية والعدالة الاقتصادية والمواطنة المتساوية يؤدي في النهاية إلى إعادة إنتاج الأزمات بأشكال مختلفة.
إن سوريا تقف اليوم أمام مفترق تاريخي حاسم: إما أن تنجح في إعادة بناء دولة وطنية حديثة تستمد شرعيتها من شعبها ومصالحه، وإما أن تبقى ساحة مفتوحة لتجاذبات الهوية والمشاريع المتصارعة.
من الأيديولوجيا إلى الوعي التاريخي
لقد دفع الهلال الخصيب خلال القرن الأخير أثماناً هائلة بسبب اغترابه عن ذاته. مرة باسم الوحدة الكبرى، ومرة باسم الرسالة الدينية، ومرة باسم الصراعات السياسية التي استنزفت الإنسان والدولة معاً. وبين هذه المشاريع بقيت الحقيقة الأساسية مؤجلة: بناء دولة مستقرة تعكس واقع المجتمع لا أوهامه.
إن معركة المستقبل ليست معركة شعارات، بل معركة وعي وهوية ومؤسسات. فإما أن تستعيد سوريا الطبيعية إدراكها لذاتها ككيان تاريخي حيّ، وإما أن تبقى رهينة مشاريع الآخرين.
التاريخ لا يمنح الأمم خلاصاً مجانياً، لكنه يفتح دائماً باباً لمن يملك الجرأة على إعادة تعريف نفسه. ومن هنا تبدأ النهضة الحقيقية: عندما تتحول الأمة من ساحة صراع بين المشاريع إلى صانعة لمصيرها.
وحين تدرك سوريا الطبيعية حقيقتها كما هي، لا كما تُرسم لها، لن يكون السؤال كيف تنهض، بل كيف يمكن لأي قوة أن تمنع نهوضها.
إبراهيم الدن

