غزّة واغتيال طواقم الإسعاف وعمليات الجرف والتدمير والاقتلاع في الضفة الغربية، كما التنكيل والاعتقالات والشرائط الشائكة في قرى القنيطرة السورية وأيضا الانتهاكات اليومية ضد الفلسطينيين في القدس خلال ممارستهم لشعائرهم الدينية وزحف قطعان المستوطنين لمصادرة الأراضي وتهجير سكانها داخل فلسطين وعلى مدى المحيط القومي.
ثم مشهد اليهود الكنديين يوم السابع من حزيران في مسيرة تضامنية مع إسرائيل، وتأييداً لحروب الإبادة في المنطقة والتي شارك فيها ما يزيد عن ستين ألفاً وفق معلومات الشرطة في مدينة تورنتو الكندية.
يتضّح من خلال هذه العناوين المختصرة لهذا المشهد في المنطقة أنّ هناك ثلاث كلمات غير متداولة في قاموس اللغة الصهيوني وهذه الكلمات الثلاث هي: وقف إطلاق النار.
اذ لم تشهد البشريّة في تاريخها القديم أو المعاصر هذا النوع من التوحّش الذي تقوده آلة الحرب الأميركية/ الإسرائيلية في المحيط القومي للكيان الصهيوني الذي نشأ وترعرع على أيدي حفنة من المجرمين ابتداء بمنظمات ” شتيرن والهاغانا” الصهيونية بقيادة مينا حيم بيغن ودافيد بن غوريون وغولدا مئير، وصولاً إلى ما أُطلق على تسميته ب ” جيش الدفاع الإسرائيلي ” ، الذي يمارس حرب التهجير والإبادة الجماعية منذ تأسيس الكيان المزعوم عام ١٩٤٨ حتى تاريخ كتابة هذه السطور
الجميع يقرأ عن الفظائع التي عرفتها البشرية عبر تاريخها، من حملات التتر والمغول إلى عمليّات الغزو التي قادها الغرب نحو القارة الأميركية تحت عنوان ” الاكتشافات البحرية ” ، إلى الحربين العالميتين الأولى والثانية وما حملته للبشرية من مآسٍ وويلات ، غير أنّ الذي تشهده المنطقة منذ تأسيس كيان الاغتصاب في العام ١٩٤٨ وما رافقها معه من عمليات اقتلاع وتهجير وتوسيع للبؤر الاستيطانية واعتداءات متواصلة للمستوطنين على الشعب الفلسطيني ، تجعل من هذه الوقائع تفوق في همجيتها وبربريتها ما عرفته البشرية في تاريخها القديم والحديث ،
وذلك يعود لأمرين:
الأوّل: الإيمان بحقّ العودة إلى أرض الميعاد، وهذا الإيمان يستمدّ “مشروعيته” من تعاليم تؤمن بنصوص دينية تحرّض على عمليات القتل والإبادة الجماعية والتهجير والاقتلاع، واعتبار كل ذلك تنفيذاً للوعد الإلهي المزعوم.
الثاني: أنّ مشروع الإبادة والتهجير والاقتلاع يتكئ على الدعم الغربي / الأميركي غير المحدود وعلى أحدث ما يختزنه ” المجمّع العسكري الصناعي ” في الولايات المتحدة الأميركية تحديداً والذي نرى ترجمته يوميّا أمام ناظرينا من سلاح جوً ودبابات وأساطيل وبوارج حربية مروراً بأحدث التقنيات العسكرية في مجال الإلكترونيات التي تسهـّل عمليات الملاحقة والاغتيالات والتصفيات الجسدية بشكل لم تعرفه الحروب السابقة إطلاقاً.
وهكذا تمكّن الاحتلال استناداً إلى “نصوصه الهمجية ” القاتلة في توظيف آلة الحرب الهائلة وتقنياتها غير المحدودة إلى ارتكاب أبشع المجازر الجماعية في القرى والبلدات والمدن، بالإضافة إلى استخدام أسلحة ” محرّمة دوليّاً ” لإلحاق الضرر بالبيئة والتجمعات السكنية، وذلك كلّه مرفق بحجج واهية تحت ستار تدمير مخازن الأسلحة واستهداف مقاتلي المقاومة.
وهكذا يتحوّل المحيط في بلاد الشام، لبنان وفلسطين وسوريا وإيران إلى مختبر حيّ “لأسلحة الدمار الشامل” الذي أُتَّهم العراق بامتلاكها يوماً” الأمر الذي أدّى إلى احتلاله وتدميره …… في حين أنّ الثنائي الأميركي / الإسرائيلي الذي يمتلكها ففعلاً، يمارس هواياته اليوميّة تدميراً وإبادةً في لبنان وقطاع غزّة والضفة الغربية بعد تحويل المؤسسات الدولية من أمم متحدة ومجلس أمن ومحاكم دولية إلى مؤسسات تُصدر بيانات الشجب والإدانة والاستنكار.
غير أنّ المدهش في هذا المشهد هو عمليات المقاومة والصمود في مواجهة هذا المشروع، والتي تقوم بها أطراف المقاومة في لبنان وغزّة وجبهات الإسناد الأخرى والتي تفاجئ الاحتلال بعملياتها ومواجهتها التي تستند بشكل أساسي على إرادة فولاذية في ردع الاحتلال عن المضي في أوهامه وأحلامه والتي استطاعت وبتضحيات مثالية، أن تقدّم نموذجاً في الصمود والثبات ، نقف جميعاً أمامه بكلّ إجلالٍ واحترام وتقدير.

