من المؤسف أن سؤال التحضر في بلادنا، لما يزل مطروحاً دون إجابة، والتحضر هو إستجابة لمقتضيات الحداثة، وهي الأدوات والطرائق، التي يؤدي إستخدامها، إلى السير الحثيث تجاه القيم الأنسانية العليا التي تصالحت عليها البشرية، للحصول على أمكنة أكثر أماناً، تسمى بلغة الحداثة أوطاناً، وليست مجرد بلاد أو أراضي، يقطنها ناس يتسالمون للتعاون على العيش، وهو تعاون يختلف عن التعاون البشري على الحياة بمستجداتها الأساسية والكمالية، التي تعبر عن المستوى المعرفي للناس المتعاونين على العيش أو على الحياة، حيث الفارق ليس ضئيلاً بينهما، فواحد يؤدي إلى بقاء تحت توازن القوة الغاشمة، وهو أدنى درجات العيش المشترك تحضراً ويؤدي إلى التعايش، والآخر يرتقي في بوتقة تحويل العلم إلى معرفة حيث تتجلى الإرادة في إختيار الحياة كقيمة عليا أنتجتها البشرية من أجل سعادتها.هنا يبدو باب العيش مغلقاً على المعرفة، على الرغم من توفر العلم، برفقة كمية هائلة من عدم الثقة به، أو حتى التأمل في ماهية وجوده، وأهدافه، مترافقاً مع رفض دفع مستحقات تحوله إلى معرفة، يمكن ممارستها في الواقع، تحت ذرائع من مسميات وشعارات كثيرة، ترفض في هذا النوع من العلم، المستمد من تراكم العلم نفسه عبر الزمن، لنصل إلى الزمن الحاضر أي الحداثة، وهنا تنفجر طاقات «العيش» لتملأ فراغ العلم وفوات المعرفة، بالعنف وهذا ما يسمى بالتهمج، والذي ينتج دائماً، من عدم السماح للعلم بالتراكم، وبالتالي عدم الإستفادة منه بالإستنباط، كما يقطع الطريق على تحويله إلى معرفة،لإن العقل العمومي لا يستطيع إستقبال مدخلاته، إذ لا مخرجات يمكن أن تنتج عنه نتيجة إنعدام تكنولوجيات التي تحوله إلى معرفة.
ربماكانت كلمة التعايش من أسوأ مفردات التعبير الإجتماعي، إذ لا ينقصها إلا لاحقة «على مضض»، وكأن التعايش هو مرحلة سابقة على الغزو، أو التحضير له، فالأمر لا يجتاج إلى إكتشاف خطير، أن التعايش هو بين طرفين أو أكثر، مطلوب لبقائهما ما هو أكثر بكثير من «تكنولوجيا التعايش»، بما هي خوف من الآخر، والتعايش معه حتى لحظة التمكينن أو ما يسمى تاريخياً « الغزو»، والتمكين بحد ذاته ليس لحظة قوة تاريخية، بقدر ما هو لحظة ضعف عند الآخر، حيث يفقد الغزو كل قيمة أخلاقية، وتكنولوجياتية، واجتماعية، ليس لإن التمكين هي لحظة دوارة بين المتعايشين فقط، بل هي عملية وأد ذاتي للطرف المتمكن الغازي، بواسطة علاقته الخاطئة مع العلم والمعرفة، مما يؤدي إلى إذاء نفسه بشكل مؤكد، فإذا أرفق بخصلة التهمج، فسوف يصل هاذا المتعايش إلى قمة الحضيض، وهذا ما حصل ويحصل في كل التجارب التعايشية القائمة بالضرورة على إنتظار التمكين، وهذا ما يفسر الكثير من استعانة المتمكن بالخارج، التي هي استعادة دوارة بين الغازي والمغزو، بحيث يتحول هذا الإجتماع البشري إلى ضحية ذاته قبل أن يكون ضحية لإي شيء آخر.
لا يمكن للتعايش أن يرتقي في أي إجتماع بشري إلى مرتبة المجتمع، بمعناه المعاصر (الحديث والحداثي معاً)، فالتفاعل الإنساني المرتبط بمصلحة البقاء والإستمرار، وهذا ما نلحظه الآن في فناء كيانات سايكس بيكو، التي تبدو آيلة للتبعثر، ليس بسبب سايكس وبيكو، بل بسبب فشل سكانها في إحداث مجتمع هو نفسه تكنولوجيا العيش البشري، ودليل ذلك أن كل تجمعات سايكس بيكو، لم تولد دولة سليمة واحدة، دولة تستطيع الصمود أمام استحقاقات الحياة الحديثة، (الكهرباء مثالاً صغيراً)، الدولة التي هيبنت الحداثة بالضرورة، لإنها الوحيدة القادرة على نقل شعبها من التعايش إلى الإندماج التفاعلي مع العلم وتحويله إلى معرفة، هذه «الدولة» التي أفرزها التعايش خسرت كل المواجهات الوجودية التي صادفتها أو التي كانت تعلم بها وأنعكس ذلك على عيش شعوبها اللذين لم بتذوقوا معنى الحياة بعد.
اليوم نقف نحن المنهكون من تراكم التهمج على عتبات وبوابات زمن حديث جديد، وعلينا أن نختار، دربنا، هل سنعيد معزوفة التعايش، ونئد الحداثة التي تمتلك تكنولوجيا إحداث المجتمعات وإدارتها؟؟

