تفكيك اتهامات الفاشية والإرهاب عن القومية الاجتماعية

تداولت بعضُ الأوساطِ الصهيونية مؤخرًا اتهاماتٍ تفيدُ بأنَّ الحزبَ السوريَّ القوميَّ الاجتماعيَّ منظمةٌ إرهابيةٌ تتبنى أساليبَ فاشيةً، وأنَّ زعيمَه أنطون سعاده كان ديكتاتوراً ذا ميولٍ فاشيةٍ أو نازيةٍ متأثِّراً ب “الفوهرر” أدولف هتلر، وأنَّه استوحى شعارَ الزوبعة من الصليب المعقوف. وغالباً ما تستندُ هذه الاتهاماتُ، القديمةُ والمتكررةُ، إلى أوجهِ تشابهٍ شكليةٍ، مثل التركيز على الانضباطِ التنظيميِّ وعنصرِ الشبابِ، أو التشديدِ على القوميةِ، أو طريقة إلقاء التحية واعتمادِ شعارٍ معينٍ، مع إغفالِ الفوارقِ الفلسفيةِ العميقةِ بين القوميةِ الاجتماعيةِ والإيديولوجياتِ الشموليةِ الأوروبيةِ. غير أنَّ قراءةً نقديةً متأنيةً لكتاباتِ سعاده تبيّن أنَّ فكرَه يشكّل مشروعاً فكرياً مستقلاً، قائماً على أسسٍ قوميةٍ وعقلانيةٍ ووحدةٍ اجتماعيةٍ وعدالةٍ والتزامٍ بعلاقاتٍ دوليةٍ سلميةٍ.

وقد شدّد سعاده مراراً على أنَّ نظامَه الفكريَّ لم يُستمدَّ من النماذجِ الأوروبيةِ، بل أكّد أنَّ القوميةَ الاجتماعيةَ عقيدةٌ سوريةٌ أصيلةٌ، ناتجةٌ عن تفكيرٍ سوريٍّ إبداعيٍّ، ونابعةٌ من التجربةِ التاريخيةِ والواقعِ الاجتماعيِّ للأمةِ السوريةِ، لا تقليدًا لإيديولوجياتٍ أجنبيةٍ. وهي في جوهرِها منسجمةٌ مع خصائصِ البيئةِ السوريةِ واستعدادِها النفسيِّ والماديِّ لتلقّي هذا النوعِ من الفكرِ والعملِ به. وكان هذا الإصرارُ على الأصالةِ جزءاً محورياً من منهجِه الفكريِّ، إذ اعتبر أنَّ النهضةَ القوميةَ الحقيقيةَ تتطلبُ أفكاراً متصلةً عضوياً بحياةِ المجتمعِ، لا عقائدَ مستوردةً تفتقرُ إلى الجذورِ الاجتماعيةِ والتاريخيةِ. لذلك جاء في المبدأِ السادسِ من مبادئِ الحزبِ: “تستمدُّ النهضةُ السوريةُ القوميةُ الاجتماعيةُ روحَها من مواهبِ الأمةِ السوريةِ وتاريخِها الثقافيِّ السياسيِّ القوميِّ.”[1]

وعلى خلافِ النازيةِ التي قامت على التراتبيةِ العرقيةِ والحتميةِ البيولوجيةِ، رفضت القوميةُ الاجتماعيةُ اعتبارَ العرقِ أساساً للانتماءِ القوميِّ. فقد رأى سعاده أنَّ نقاءَ العرقِ أسطورةٌ لا سندَ علميٌّ لها، واعتبر أنَّه «ليس لأمةٍ من الأممِ الحديثةِ أصلٌ سلاليٌّ واحدٌ»[2]، وأنَّ الأممَ هي مزيجٌ من السلالاتِ يتكوّنُ من خلالِ التفاعلِ التاريخيِّ ووحدة الحياة على تعاقب الأجيال ضمن البيئةِ الواحدةِ.[3] ويتعارضُ هذا التصورُ مع الإيديولوجيا العرقيةِ النازيةِ التي قالت بتفوّقِ العرقِ الآريِّ.

وبالمثلِ، رفعت الفاشيةُ الدولةَ إلى مرتبةِ السلطةِ المطلقةِ فوق المجتمعِ، في حين نظرت القوميةُ الاجتماعيةُ إلى الدولةِ باعتبارِها أداةً في خدمةِ المجتمعِ وتعزيزِ رفاهِه العامِّ. ولم تكن القيادةُ في تصورِ سعاده ذاتَ طابعٍ غيبيٍّ أو معصومٍ، بل مؤسسيةً تستندُ إلى الكفاءةِ والمسؤوليةِ، وهو ما يبرزُ تمايزَ القوميةِ الاجتماعيةِ عن الأنظمةِ الفاشيةِ السلطويةِ.

ومن أكثرِ الاتهاماتِ شيوعاً ما يتعلقُ بشعارِ الحزبِ السوريِّ القوميِّ الاجتماعيِّ، الزوبعةِ، التي يدّعي بعضُ النقادِ أنها تشبهُ الصليبَ المعقوفَ النازيَّ. غير أنَّ هذه المقارنةَ تقومُ على تشابهٍ بصريٍّ سطحيٍّ وتتجاهلُ أصلَ الرمزِ ودلالاتِه. فقد أوضح سعاده أنَّ الزوبعةَ رمزٌ جديدٌ مستمدٌّ من القدراتِ الإبداعيةِ للأمةِ ومنسجمٌ مع روحِها، ولم يُستعرْ من أيِّ إيديولوجيا أجنبيةٍ، بل صُمم ليعبّرَ عن القوى الديناميةِ للنهضةِ القوميةِ الاجتماعيةِ. وقد أكّد سعاده هذا المعنى بقوله: “إنّ زوبعة الحزب السوري القومي نشأت من فكرة سورية خالصة أرادت أن ترمز إلى الاتحاد الشعبي بإزالة الفوارق الدينية.”[4]

وترمزُ أطرافُ الزوبعةِ الأربعةُ إلى الحريةِ والواجبِ والنظامِ والقوةِ، وهي متحدةٌ في حركةٍ مستمرةٍ تعبّرُ عن حيويةِ الأمةِ ووحدتِها القوميةِ باعتبارِها مجتمعاً واحداً لا طوائفَ متنازعةً. وقد عبّر سعاده عن هذا المعنى بقوله إنَّ الزوبعةَ تمثلُ «الهلالَ والصليبَ متدامجينِ متحدينِ».[5] وعلى خلافِ الصليبِ المعقوفِ المرتبطِ بالأساطيرِ العرقيةِ وفكرةِ التفوقِ الآريِّ، ترمزُ الزوبعةُ إلى التكاملِ والحركةِ البنّاءةِ، ويعكسُ شكلُها الدائريُّ الاستمراريةَ والتجددَ وتفاعلَ القوى الاجتماعيةِ. وبذلك فإنَّ الرمزَ يعبّرُ عن فلسفةٍ إنسانيةٍ اجتماعيةٍ، لا عن إيديولوجيا عرقيةٍ.

كما وُجِّهت إلى الحزبِ السوريِّ القوميِّ الاجتماعيِّ اتهاماتٌ متكررةٌ بأنَّه يروّجُ للعنفِ أو يشكّلُ حركةً إرهابيةً. وتكمنُ المفارقةُ في أنَّ الجهاتِ التي تطلقُ هذه الاتهاماتِ على الحزبِ هي نفسها التي تمارسُ الإرهابَ وحربَ الإبادةِ، وترتكبُ المجازرَ وتستهدفُ المدنيينَ والبنى الحيويةَ، بما في ذلك المستشفياتُ والمدارسُ ودورُ العبادةِ ومراكزُ الإيواءِ. غير أنَّ هذه الادعاءاتِ تتناقضُ مع مسيرةِ الحزبِ ومع كتاباتِ أنطون سعاده، التي وضعت السلامَ، داخلياً ودولياً، في صلبِ مشروعِها الفكريِّ والسياسيِّ، وربطتهُ بالعدالةِ والاستقرارِ الحقيقيينِ لا بالشعاراتِ.

فعلى المستوى الداخليِّ، تسعى القوميةُ الاجتماعيةُ إلى إرساءِ السلامِ الأهليِّ من خلالِ تجاوزِ الطائفيةِ والعشائريةِ والانقساماتِ الفئويةِ. وقد اعتبر سعاده أنَّ التفككَ الداخليَّ يمثلُ المصدرَ الأساسيَّ للضعفِ والصراعِ، مؤكداً أنَّ الوحدةَ القوميةَ القائمةَ على المساواةِ أمامَ القانونِ والعدالةِ الاجتماعيةِ شرطٌ ضروريٌّ للاستقرارِ. ومن هذا المنطلقِ، يدعو المشروعُ القوميُّ الاجتماعيُّ إلى التعاونِ بين جميعِ مكوناتِ المجتمعِ، بهدفِ استبدالِ الانقسامِ بهويةٍ مدنيةٍ موحدةٍ ومسؤوليةٍ جماعيةٍ.

وعلى المستوى الخارجيِّ، دعا سعاده إلى التعاونِ الإقليميِّ عبر إنشاءِ الجبهةِ العربيةِ، بوصفِها وسيلةً لصونِ السلامِ، معتبراً أنَّ السلامَ الدائمَ لا يمكنُ أن يقومَ على الهيمنةِ أو الظلمِ، وأنَّ الحروبَ تنشأُ غالباً نتيجةَ التنافسِ على المواردِ والسلطةِ.[6] ولذلك منحَ السلامَ مكانةً مركزيةً في فكرِه، مؤكداً أنَّ السلامَ المستدامَ يجبُ أن يقومَ على العدالةِ وعدمِ الاعتداءِ وحقِّ الشعوبِ في تقريرِ مصيرِها.

وقد رفض سعاده ثقافةَ الاستسلامِ والتنازلِ عن حقوقِ الأمةِ، فقال: «إننا لا نريدُ الاعتداءَ على أحدٍ، ولكننا نأبى أن نكونَ طعاماً لأممٍ أخرى. إننا نريدُ حقوقَنا كاملةً».[7] فهو يدعو إلى السلامِ دون التخلي عن الصراعِ من أجلِ الحريةِ والحقِّ، مع التشديدِ على أنَّ السلامَ الحقيقيَّ يجبُ أن يقومَ على العدالةِ وصيانةِ الحقوقِ لا على التنازلِ.

كما انعكسَ هذا التصورُ أيضاً على موقفِه من القضيةِ الفلسطينيةِ، إذ رأى سعاده أنَّ المسألةَ الفلسطينيةَ قضيةُ عدالةٍ وحقوقٍ قوميةٍ تتمثلُ في الحقِّ القوميِّ في الأرضِ المغتصبةِ، لا مجردَ نزاعٍ إقليميٍّ. واعتبر أنَّ السلامَ في المنطقةِ لا يمكنُ تحقيقُه ما لم تُعالجْ قضيةُ اقتلاعِ الشعبِ من أرضِه وما لم يُعترفْ بحقِّه في تقريرِ مصيرِه. ومن هذا المنطلقِ، ارتبط مفهومُ السلامِ لديه بتحريرِ الأرضِ وتصحيحِ المظالمِ التاريخيةِ والاتفاقاتِ الدوليةِ المجحفةِ بحقِّ الأمةِ السوريةِ واحترامِ سيادةِ الأممِ.

وعلى الرغمِ من إقرارِه بضرورةِ الدفاعِ الوطنيِّ، لم يدعُ سعاده إلى النزعةِ العسكريةِ، بل رأى أنَّ الاستعدادَ العسكريَّ ذو طابعٍ دفاعيٍّ يهدفُ إلى حمايةِ السيادةِ ومنعِ العدوانِ وتأمينِ شروطِ السلامِ الدائمِ. وبذلك تقدّم القوميةُ الاجتماعيةُ رؤيةً شاملةً للسلامِ تقومُ على الوحدةِ الداخليةِ والتعاونِ الإقليميِّ والعدالةِ الدوليةِ.

وقد مجّدت الإيديولوجياتُ الفاشيةُ التوسعَ والهيمنةَ، بينما رفضت القوميةُ الاجتماعيةُ الإمبرياليةَ وأكدت التعاونَ بين الأممِ. وتصور سعاده نهضةً قوميةً تسهمُ إيجابياً في خدمةِ الإنسانيةِ، مؤكداً بقوله: «فنحن يجب أن نكونَ أمةً عظيمةً حرةً ليس لمصلحتِنا فقط، بل لمصلحةِ الإنسانيةِ كلها».[8] كما أنَّ تركيزَه على الوحدةِ العلمانيةِ والمساواةِ أمامَ القانونِ والتعاونِ الاجتماعيِّ يعكسُ رؤيةً إنسانيةً حديثةً سعت إلى تجاوزِ الانقساماتِ الطائفيةِ وبناءِ دولةٍ قوميةٍ عقلانيةٍ قائمةٍ على العلمِ والعدالةِ.


[1] أنطون سعاده، المحاضرات العشر 1948، المحاضرة السادسة.

[2] نشوء الأمم، طبعة 1976، ص 156.

[3] المرجع ذاته، ص 158.

[4] أنطون سعادة في مغتربه القسري 1944 – 1945، الآثار الكاملة – 12، ص 43.

[5] المرجع ذاته.

[6] الأعمال الكاملة، المجلد السابع 1944 – 1947، “ناحية من الحرب السياسية بعد الحرب”.

[7] الأعمال الكاملة، المجلد الثامن 1948 – 1949، “حق الصراع هو حق التقدم”.

[8] الأعمال الكاملة، المجلد الرابع 1940 – 1941، “الزعيم في سانتياغو”، 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *