لا يوجد في معاجم اللسان العربي معناً قاطع، جامع مانع لمصدر هزم، فالمعاني تتنوع بشكل مضحك حسب موقع الكلمة في الجملة، أو حسب الموضوع المثار، وحتى حسب النوع السياسي لقائلها، ولكن فيما هو متداول بين الناس حاليا، تعني الانكسار والخسران والهروب، من أية منافسه ومن ضمنها الحروب، لتصبح هذه الكلمة ذات أصداء اجتماعية، تتوزع على الثقافة والسياسة والاقتصاد والتنمية والأملاك العامة، وحتى الذوق العام، حيث تظلل الهزيمة كل شيء في الأجساد والأرواح والأفكار، بما ما في ذلك الأمل الثوري وغير الثوري، اللذان يتمسكان في نصر قادم، دون أسباب، سوى هذه المحاولة للتفاؤل، بإن الهزيمة هي «عرض» بسيط على طريقة لكل جواد كبوة، تبدأ معها مرحلة ترويض الجواد (ليس تربيته) كي يتأهل للسباق القادم في حال استحسن هذا الجواد الترويض، وطرائقه، ومخرجاته، سيصبح جاهزاً لتقبل الانتصار الموعود، حسب قدرته على تحمل الفرح والسعادة أثناء عملية الترويض هذه، وهذا ما يمكن تسميته ( إدارة الهزيمة) أو الهزائم، فالهزيمة لا تأتي مفردة، بل ناتجة عن هزائم متراكمة على كاهل اجتماع بشري من النادر أن يكون مجتمعاً، ( نتذكر هنا هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية ومآلاتها اليابانية)، بما يعني أن على هذا «الاجتماع البشري» أن يكون مجتمعاً متفاعلاً، كي يستطيع إدارة هزيمته، والخروج منها بمجتمع ينتج المنافع لنفسه، في مدد حيوية واضحة ومعلنة.
بهذا المعنى الآن أن الاجتماع المهزوم، سوف ينتج «دولة» على شاكلته، وهذا ما حصل في كل التجارب الدولتية، لكيانات الأمة السورية، في كل التحديات والمنافسات التي طرحت عليها، ككيانات سياسية، تدير الهزيمة في مرتسماتها المختلفة، التي طالما خلفت كوارث وطنية، من الحروب البينية أو الخارجية، أو تحديات العيش العادية، وهنا تتشابك المسؤولية بين السلطة «دولة» والناس، فهؤلاء جميعاً مهزومون، ولا تسمح لهم حالتهم المعرفية بأكثر من إدارة هذه الهزيمة ( إزالة آثار العدوان حسب الرأي الناصري في الهزيمة)، حيث تضبط إدارة الأزمة المصطلحات والرؤى كحزمة وعود انتخابية، في اجتماع بشري ليس فيه انتخاب، لإنه وببساطة ليس بقادر على القيام بعملية انتخابية، في ظل فشل التنمية التي قاد هذا النوع من الاجتماع إلى الهزيمة، لتصبح الهزيمة منكرة، فنوع الاجتماع وحداثته، هو من يستطيع استيعاب وقوع الهزيمة، باستحضار إمكانيات تجاوزها، التي لن تتوفر إلا في مجتمع ناجز، ومؤهل دنيوياً في العصر، فليس من عدو سوف ينتظرك كي تجرب على سبيل تطوير أدواتك، بل سيواصل دفعك إلى لجة أكثر غرقاً، ولا يبقى لك إلا إدارة هزيمتك بفشل مضمون النتائج بالنسبة له، وهذا ما يحصل لحد الآن، فجميع الأراضي السليبة والمغتصبة والمحتلة على حواف بلاد سوريا الكبرى، أصبحت في خبر كان، بل ومسخّرة إمكانياتها في خدمة تنمية المحتل، ولا زالت الكيانات تبحث عن طريقة جر الشعب للامتثال إلى أوامر إدارة الهزيمة، متسلحة بالجهل والتخلف، مع رفض باهر للحداثة ومجرياتها. وإدارة اجتماع الهزيمة ليس بدولة، وبأقل منها لا يمكن إدارة إمكانيات هذا الاجتماع، فما بالنا إذا كان هذا الاجتماع لم يصل إلى مرتبة المجتمع؟
في هزيمة 67، بدأت إدارة الهزيمة من اليوم التالي لتلك الحرب، صارت (نكسة) وبدأت الجعجعة التي لا تنتج طحيناً، كلمات وشعارات ومخابرات تتأكد من طاعتها، مدارس وجامعات دون نوعية تضمن سلامة العلم والتربية وبالتالي سلامة ممارسة المعرفة، خبز و مساكن وخدمات، تفتقد لضمانة الاستخدام البشري، رأي أو رؤيا مكانها المحابس والمعتقلات، أحكام عرفية واستثنائية وطوارئية، دون أجل محدد أو وضوح قطعي فيها، تمددت في الزمان حيث لا نهاية منظورة لها، استباحة الملك العام والتصرف به، كمسألة إجرائية تخص إجراءات إدارة الهزيمة توفرت، ولكن وحتى يومنا هذا لا أحد يعلم ( وثائقياً) ماذا حصل في حزيران 67، فقط كي نتجاوزه ونتطلع إلى نصر ما حتى لو كان على صعيد الشبع من إمكانيات الدنيا التي نعيشها، ولكنها هي أيضاً اعتبرت وقوداً لإدارة الهزيمة.
في أيامنا هذه تبدو إدارة الهزيمة، مؤسسة مكتملة الأركان والمهام، وعندما تتأسس أية فعالية، بناءة أو هدامة ( المخابرات على الشعب مثالاً)، سيكون سعيها الأولي، لبقائها واستمرارها، وبالتالي إبقاء الحال على ماقبل الهزيمة، وكأنها تحول الهزيمة على حلم مزعج لم يحصل في الواقع، على الرغم من إدارة آثاره في نفس الواقع.
المجتمع لا يهزم ولا حتى يكبو، حتى لو خسر حروباً أو منافسات، فإمكانياته مهما كانت قادرة على تجاوز الخسارات (المانيا مثالاً)، الاجتماع البشري من أي نوع غير «المجتمع المعاصر»، ينهزم، ويراكم هزائمة المتنوعة، ويكتفي بإدارتها، دون أن يدري أنه أمام هزيمة جديدة، ولكن على يده هو نفسه هذه المرة، ولا لزوم للأمثلة، فالمنظر واضح أمامنا.

