«سوريا» بين المطرقة الصهيونية والسندان التركي

تشهد المنطقة برمتها حالة متغيرات جذرية لا يعلم أحد نهايتها ولا تبعاتها، فارتفاع حرارة التوتر «الصهيوأمركي، الايراني» شكل منعطفا خطيرا وحساسا على المنطقة إن لم يكن على العالم أجمع، وخاصة بعد أن استغلت المقاومة اللبنانية هذا التصعيد لتوجيه ضربات عسكرية موجعة للعدو الصهيوني رداً على اعتداءاتها المستمرة رغم اتفاق وقف إطلاق النار منذ ما يقارب العام والنصف، مستغلة ما يتلقاه العدو من ضربات من الجانب الايراني ما سهل اختراق دفاعاته المنهكة.

ومع استمرار المعارك وتوسع رقعتها على  دول  عديدة في المنطقة، واستمرار حلم العدو بالتخلص من المقاومة اللبنانية، بدأ الضغط الأمريكي والاسرائيلي على الحكومة السورية المؤقتة للدخول في المعركة إلى الجانب الاسرائيلي، وتناقلت الكثير من وسائل الاعلام أخبار حشد وزارة الدفاع السورية لقواتها الأجانب على الحدود الشرقية للبنان تمهيداً لدخولها إلى البقاع والهرمل لفصلهما عن الجنوب وقطع الامدادات عن المقاومة حسب المخطط الصهيوني، لكن قرار الدخول ما يزال  معلقاً حتى يومنا هذا لأن الجولاني ليس صاحب القرار النهائي في هذا الشأن، ورغم الغزل الأمريكي له ورغم دعمه أمام المنافسين الداخليين حتى المقربين من أمريكا ورغم تنفيذه الدائم لكل ما تطلبه إدارة ترامب منه إلا أنه اليوم يصطدم بواقع الإصرار أن لا يتعارض مع المصالح التركية وهي  المشغل الرئيسي للجولاني وحكومته، فهو لا يستطيع الخروج عن طاعة أردوغان، وهنا تكمن المعضلة التي واجهت الجولاني في تلبية الرغبة الأمريكية الصهيونية، فتركيا رغم أنها من دول الناتو إلا أنها تملك علاقات متينة بنظام إيران ولا تريد ضرب هذه العلاقة بالدخول بمواجهة مباشرة معها في سوريا، ومن جانب آخر فإن أردوغان يدرك تماماً أن دخول الجولاني في المعركة سيعرض كل مكاسب تركيا في سوريا للذهاب أدراج الرياح، فهم يعرفون أن حكومة دمشق لم تثبت أقدامها بعد على الأراضي السورية ولديها الكثير من المشاكل الداخلية والتحديات التي يصعب عليهم حلها حتى اليوم، وفي حال تدخلهم في المعركة سيتعرض النظام الحالي في سوريا لضربات إيرانية مؤكدة قد تؤدي لتدمير هذا النظام وسقوطه مع هذه المواجهة بالاضافة لعدم تأكدها أصلاً من قدرة الجيش السوري على مواجهة المقاومة اللبنانية في بيئتها، وهنا ستكون تركيا أمام خيارين لا ثالث لهما، إما أن تدخل بشكل مباشر في المعركة لحماية مصالحها في سوريا ومواجهة إيران وخسارتها كحليف والتحول إلى العداء المباشر، ومن ثم تتعرض هي نفسها للضربات الإيرانية كطرف في هذه المعركة وهذا ما لايريده أردوغان بأي شكل، أو أن تقف متفرجة على خسارتها لكل ما صارعت من أجله على مدى أكثر من خمسة عشر عاماً في حال نجحت إيران والمقاومة في هذه المعركة.

كما أنه لا يخفى على أحد التحديات الأمنية التي تواجه نظام دمشق في الداخل، والذي يمكن استغلاله من قبل كل من يعارضه في الجزيرة والجنوب والغرب وهو ما سيكون لصالح إيران والمقاومة وسيؤدي إلى سيناريوهات لا ترضي تركيا بشكل مطلق.

ما نراه اليوم هو معركة وجود للكثير من الأطراف في المنطقة وتركيا تستشعر الخطر الكبير على مصالحها ولا تريد أن تضحي بمكاسبها لصالح إسرائيل التي تنافسها على السيطرة في المنطقة، كما أن أردوغان يدرك جيداً رغم اصطفافه المطلق مع أمريكا أن واشنطن لن تكون معه اذا ما كانت المقارنة بينه وبين الكيان الصهيوني، لذا نراه أكثر الصامتين وهو من يلجم حماقات الجولاني الذي يتمنى أن يسجل لنفسه اسم في هذه المعركة معتمداً على الدعم الأمريكي والاسرائيلي والحقن الطائفي عله يستفيد منه في تثبيت نفسه كزعيم سياسي ديني في المنطقة كلها، ولكنه يبقى مدركا  تماماً أنه في حال خالف أنقرة لن يجد لنفسه مكانا مرة أخرى إن لم تكن هذه نهايته.

مع ارتفاع وتيرة التصعيد في الأيام المقبلة نترقب ما ستؤول الأمور وأين ستكون الكلمة النهائية في هذه المعركة ومن سيكون صاحب القرار النهائي في دمشق «واشنطن أم أنقرة»

سومر الفيصل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *