بينما يحاول الاحتلال الصهيوني عبثاً كسر إرادة الصمود في «آذار اللهيب»، يثبت الميدان في جنوب لبنان أن زمن الهزائم قد ولّى إلى غير رجعة؛ فالمواجهة الراهنة ليست مجرد دفاع عن حدود، بل هي صياغة لمستقبل المنطقة بأسرها، حيث تفرض المقاومة اليوم بدمائها وبسالة مجاهديها واقعاً جيوسياسيا يرفض التبعية، ويؤسس لنصر استراتيجي تاريخي.
وعلى الصعيد العسكري، أثبتت معارك الأسبوعين الأخيرين في الخيام وبنت جبيل أن التفوق التكنولوجي لعدو مدجج بالسلاح الأمريكي يتكسر أمام العقيدة القتالية للمقاومة؛ إذ إن استراتيجية «الكمائن القاتلة» لم تستنزف النخبة من ألوية العدو فحسب، بل حولت «المنطقة العازلة» التي يحلم بها الاحتلال إلى «مصيدة» لجنوده وآلياته. وفي العمق، نجحت صواريخ المقاومة الدقيقة في شلّ مفاصل الكيان الاقتصادية في حيفا وما بعد حيفا، فارضةً معادلة واضحة عنوانها: «الأمن اللبناني مقابل الأمن الصهيوني».
وبعيداً عن الأجندات الدولية التي تحاول نزع سلاح القوة اللبنانية الوحيدة، تبرز المقاومة اليوم بوصفها «ضرورة وجودية»؛ فالالتفاف الشعبي الواسع -رغم القصف والتدمير الممنهج- يعكس وعياً جماهيرياً بأن هذا السلاح هو الضمانة الوحيدة لمنع تحويل لبنان إلى «محمية» أمنية للاحتلال. كما أن منهج المقاومة السياسي القائم على «ندية المواجهة» لا يدافع عن طائفة أو منطقة فحسب، بل يحمي ثروات لبنان النفطية وقراره السياسي المستقل من الإملاءات الخارجية.
وعندما تضع الحرب أوزارها، لن تعود الأمور إلى ما كانت عليه قبل تشرين 2023 أو آذار 2026، إذ إن المالات المتوقعة تصب في مصلحة نهج المقاومة؛ حيث ستخرج ببنية عسكرية أكثر خبرة وتطوراً، مما يجعل أي تفكير صهيوني في عدوان مستقبلي ضرباً من الانتحار. وفي الوقت ذاته، سيثبت العجز الدولي عن حماية لبنان، أن «الميدان» هو المفاوض الوحيد القادر على انتزاع الحقوق، مما يقوي موقف القوى السياسية السيادية المتمسكة بخيار المقاومة، لتكرس هذه النتائج حقائق ميدانية لا يمكن تجاوزها في أي معادلة إقليمية قادمة، مما يعجل ببدء مرحلة الانحسار الفعلي للمشروع الاستعماري في المنطقة.
إن كلفة المقاومة -رغم عظمتها- تبقى أقل بكثير من كلفة الاستسلام والارتهان؛ فلبنان اليوم، لا خيار امامه عن جيشه وشعبه ومقاومته، ليقف على عتبة نصر مؤزر سيعيد ترتيب أوراق المنطقة، ليؤكد أن إرادة الشعوب هي التي ترسم الحدود، وليس طائرات العدو أو قرارات «الدول العظمى» المنحازة.
احمد الايوبي

